.
.
.
.

الدرس والمعلم

عثمان لحياني

نشر في: آخر تحديث:

يعلمنا الزعيم مانديلا أن الكرسي ليس المكان المفضل للموت الشريف، الزعماء يموتون كبارا في ساحة أوسع من كرسي، وفي وطن أكبر من القصر، يعلمنا أن الكبار هم أولئك الذين يشتعلون وهجا من التاريخ والقداسة بين أحضان الشعب، لا ينطفئون بين يدي زمرة تتصنع لهم القداسة، وتستورد لهم هالة زائفة.

أكبر درس سنحفظه عن المعلم مانديلا، أن التداول على السلطة، ونقاء السريرة السياسية، وإرساء قواعد الديمقراطية، وتحرير المبادرة الفردية والجماعية من الزبائنية السياسية والتفاوت الطبقي، وتحرير الإنسان من عقدة اللون والاسم والعرق والدين، وخفض رصيد العنف، وصب مزيد من قيم العمل في رصيد المجتمع، هو الإنجاز الحقيقي الذي يفوق كل إنجاز اقتصادي وصناعي.

لم يبق مانديلا كثيرا في كرسي الحكم، عهدة واحدة كانت تكفي بالنسبة إليه، ليترك الحكم لجيل يليه، كان مانديلا يملك كل الشرعية السياسية والشعبية والثورية، ليبقى خالدا في الحكم في جنوب إفريقيا، كان مخيرا بين كرسي الحكم وعرش القداسة، لكنه اختار الثاني، لأن الأول يبقيه في بيداغوجيا الدولة أشهرا أو سنوات فقط، لكن الثاني يبقيه في دفاتر التاريخ وسطور المجد وقلوب الناس على مر الزمن.

درسنا الكبير من المعلم مانديلا أن هناك خطا فارقا بين زعماء يحتفي بهم العالم قاطبا، وبين رؤساء يحتكرهم أكثر من عمّار، أكثر من زمّار، وتزايد بهم عصب وعلب، وتبتاعهم أحزاب ولجان مساندة.

وفرق كبير بين كشف حساب زعيم أرسى قواعد الديمقراطية وأنهى تزوير التاريخ، وحوّل مجرى التاريخ ومسار شعب وأمة، نجح في دفعها إلى تجاوز اختلافات في الألوان والعراق والديانات، وبين كشف حساب نظام مازال يستثمر في تزوير الانتخابات، في رصيده رقم عالمي في استيراد القمح والدواء، وثلاثة تعديلات للدستور في 10 سنوات، وإصلاحات “هرطقة سياسية”، ومصالحة مبتورة، ومحاكم بلا عدالة، وجامعات بلا مستوى، وفضاء سمعي بصري مغلق، وجيل ثالث للهاتف يتأرجح بين المنع والتصريح.

علّمت الجزائر مانديلا في الستينات كيف يكون زعيما يصلي له العالم حين يمرض، ويصلي له العالم حين يموت، لكنها لم تعلم كبارها في 2008 كيف يبقون كبارا.

* نقلا عن "الخبر" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.