.
.
.
.

وطن مانديلا.. وما تبقى من أوطاننا

إياد أبو شقرا

نشر في: آخر تحديث:

مئات من أهل السياسة كانوا هناك في ذلك الملعب الضخم بمدينة جوهانسبورغ، كبرى مدن جنوب أفريقيا وقلبها الاقتصادي النابض.

جاءوا بيسارهم ويمينهم، كبيرهم وصغيرهم، بعيدهم وقريبهم.. كلهم جاءوا لكي يقال إنهم شاركوا في وداع أحد قلة قليلة جدا باقية من قادة العالم يصح وصفها بـ«التاريخية». وواقع الحال أنه مهما دُبّج من خُطب، ومهما عُرض من مشاعر، يبقى نيلسون مانديلا أهم بكثير من السواد الأعظم من المشاركين الضيوف. كما أن تقاطر معظم هؤلاء لإبداء تقديرهم لبطل الحدث «الحاضر الغائب» يزيد في رصيدهم أكثر مما يزيد في رصيده.

مانديلا دخل التاريخ لأنه رجل آمن بقضية إنسانية أخلاقية، وناضل من أجلها بصلابة وعزم لا يلين، وعندما تحقق له النصر كان وفيا لمن مد له العون، ومن دافع عنه عندما كان يقبع في غياهب السجون، وعفا عن الخصوم بشهامة الفارس الخلوق الذي يأبى التشفي والانتقام، وقاد عملية تأسيس وطن حقيقي يتمتع فيه كل إنسان يعيش على أرض جنوب أفريقيا بحق المواطنة كاملا غير منقوص في ظل القانون.

هذه المعاني لم تحظ في الماضي، ولا ضمانة بأنها تحظى اليوم، بالإجماع الذي شاهدناه في ذلك الملعب الكبير تحت أمطار الترانسفال.

كثيرون من القادة الذين جاءوا تأخرت دولهم كثيرا في إدانة نظام الفصل العنصري الذي ناضل مانديلا من أجل اقتلاعه، وبعضها الآخر ما زالت فيه أحزاب وقوى نافذة لا تزال تتبنى درجات أقل تطرفا منه لكنها نزّاعة إلى التمييز على أساس العنصر واللون والدين، وتراهن عليه في صراعها السياسي ولو ضمن المؤسسات الديمقراطية تحت شتى الطروحات.. منها الهجرة غير الشرعية و«التمييز الإيجابي» وغيرهما. وفي سياق الكلام عن عظمة مانديلا سمعت بالأمس مقولة «لولا نيلسون مانديلا لما انتُخب باراك أوباما رئيسا لأميركا». هذا كلام مثير للتفكير الجدي فعلا.. بصرف النظر عن تقييم الراحل الكبير أداء أول رئيس أميركي من أصل أفريقي.

ربما كان كثيرون يتوقعون «أنهارا من الدم» تسير في جنوب أفريقيا لو تولى مانديلا وحزبه «المؤتمر الوطني الأفريقي» الحكم في البلاد التي هي إحدى أكثر دول العالم تنوعا وتعددية. ولعل البعض راهن على هروب الرساميل من جنوب أفريقيا «بلد الذهب والماس».. بالنظر إلى الخلفية اليسارية للزعيم الكبير.. غير أن حكمة مانديلا وصحبه - ومنهم الأسقف ديزموند توتو الذي ترأس «مفوضية العدالة والمصالحة» - وكذلك بصيرة فريدريك فيليم دي كليرك، آخر الرؤساء البيض لجنوب أفريقيا.. قادتا البلاد على طريق الاستقرار والطمأنينة عبر الشفافية والاعتراف المتبادل بالأخطاء وتصفية النفوس، والصفح من دون رياء، وتقديم آمال المستقبل على مرارة الماضي.

لقد أدرك مانديلا قيمة البيض لاقتصاد جنوب أفريقيا، بمستوى تعليمهم العالي وإمكانياتهم الإدارية المتفوقة، ناهيك عن امتلاكهم نسبة عالية تفوق نسبتهم السكانية من موارد بلدهم. ثم إنهم أيضا «أبناء البلاد»، إذا كانوا يعتبرون أنفسهم كذلك، جُبل ترابها بدماء أجدادهم من المزارعين «البور» ومستوطني المدن ومستثمري المناجم والمشاريع. وبالتالي، اعترف بمواطنيتهم لقاء إقرارهم بمواطنية السود و«الملونين»، واختار تقاسم لقمة العيش معهم من دون تفرقة ولا أحقاد، وأدرك أهمية التعايش بين اشتراكية تحترم إنسانية الفقير والمحروم ونجاعة اقتصادية إدارية تحافظ على الثروات وتنميها.

كذلك كان دور «مفوضية العدالة والمصالحة» محوريا في إزالة الألغام النفسية. كان في صلب فلسفة «المفوضية» الانطلاق نحو المستقبل من خلفية خالية من التحامل وسوء الفهم والشعور بالخوف وهواجس الغبن. ورعى الأسقف توتو، الإكليريكي المسيحي الودود، المحب للحياة، المتعاطف مع جميع أفراد «عائلته الكبرى»، مسيرة «المفوضية» بنجاح.. فأصابت الهدف حيث أخطأته مغامرات الإلغائيين والإقصائيين والتكفيريين والاجتثاثيين. لقد أسهمت «المفوضية» في إقناع المواطن الجنوب أفريقي بأن القارب يتسع للجميع، إذا كان مستعدا للركوب والتجديف مع الآخرين، وإذا كانت وجهة القارب المستقبل المشترك لا ماضي التناحر والتقاتل، ليس فقط بين البيض والسود، بل بين البيض الأفريكانز والبيض الإنجليز، والسود من الزولو والسود من الكوزا.

درس «المفوضية» درس لنا في عالمنا العربي و«ربيعه» الذي لا يكاد ينتهي إلا وقد انتهت أوطاننا وتمزقت مجتمعاتنا. إنه درس يقوم على تقدير قيمة «الوحدة في التنوع» و«التكامل في التعددية».. أي النقيض المباشر للمضي أبعد فأبعد في الانتحار الجماعي.. ومواجهة التعصب بتعصب مضاد لا يمكن أن يولّد سوى الانهيار. وفي هذا السياق، أعتقد أن أحدث تطورات الشرق الأوسط، بما فيها كسر الجليد الأميركي – الإيراني، والتنافر المصري – التركي، يجب أن تنبّه العقلاء إلى الخطر المحدق بالمنطقة والخوف المفضي إلى اليأس، الذي بدوره لا يمكن أن يؤدي إلا إلى العنف المجنون الذي يضر بصاحبه أكثر مما يضر بخصومه.

ونصل إلى ما قدمه دي كليرك، ومعه عقلاء الأقلية البيضاء. لقد استوعب هؤلاء أن ثمة حركة للتاريخ، وأن العالم يسير بلا توقف. ولاحظ هؤلاء كيف أن أنماط تعامل الذهنية الاستعمارية القديمة مع الاختلاف والتنوع ما عادت تصلح في عالم تساقط المُسلّمات والنماذج الجامدة. ومثلما أدت حرب السويس عام 1956 إلى طي صفحة الاستعمار التقليدي البريطاني - الفرنسي في الشرق الأوسط لصالح صفحة التنافس الأميركي – السوفياتي، أدى ترهل الاتحاد السوفياتي ومن ثم سقوطه إلى سقوط العديد من الفرضيات، ليس في أفريقيا وآسيا فحسب، بل في أميركا اللاتينية أيضا، التي كانت واشنطن تعتبرها حديقتها الخلفية. ومثلما ما عاد مجزيا الإبقاء على الأنظمة التسلطية في الشرق، غدت الطغم العسكرية في الغرب عبئا مكلفا. وهكذا تقاعد ديكتاتورات كوريا الجنوبية والفلبين وإندونيسيا وباكستان، ومثلهم غربت الشمس عن ديكتاتورات تشيلي وبوليفيا والأرجنتين وغواتيمالا.

دي كليرك وعقلاء البيض، بمزيج من الحكمة والضمير الحي، أدركوا وصول تجربة «الحصن الأبيض» المنيع إلى طريق مسدود، وفضلوا الشراكة في إطار دولة المؤسسات القضائية والسياسية الديمقراطية على الحرب الأهلية التي لا تنتهي برابح. وبأسلوب حضاري مسؤول اختاروا الرهان على المستقبل بدل المكوث في ماض ذهب إلى غير رجعة. فكانت النتيجة أن خسروا مستعمرة هشة.. لكنهم في المقابل كسبوا دولة هي اليوم من قوى العالم الواعدة ومحركاته الاقتصادية الجبارة.

هذا أيضا درس لنا وللذين يفضلون نحر أوطانهم على إعطاء التعايش فرصة للعيش.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.