مصر كيف نحبّها؟

أمجد عرار
أمجد عرار
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تحت وطأة اللايقين الذي يلف الأمة في هذه المرحلة الموحشة، تبقى مصر حاضرة في الأذهان لكل الأسباب التي تجعل من دولة ما جسراً لنهضة شعبها وأمتها . تبقى مصر الأمل وقشة الغريق العربي في بحر التيه والأوهام والإرهاب والفتن والكذب والتدليس والأجندات . تبقى مصر العنوان الذي لا تحيط به كل التفاصيل الممكنة وغير الممكنة، وتبقى العصيّة على جرّها إلى اللا دور أو الدور المرسوم في دوائر أعداء الأمة . هي كانت دائماً هبة فلاحها وإبداع شبابها وحكمة شيابها وخفّة دمها ونيلها وأهرامها وغيطانها . كانت كذلك وستعود إلى ما كانت رغم أنف الجاهلين بطبيعتها وطبعها وطبعتها المحدّثة بعد انتفاضتين .
مصر التي في خاطر محبيها رونق العرب وزهرة إفريقيا وأم الدنيا . هذه العروس المسربلة بالحضارة والتاريخ تواجه الرياح العاتية بأقصى ما في المواجهة من حرص على الكرامة وحفظ حق الشهداء وإعادة الاعتبار لكل من آلمه ظالم أو عتّم في وجهه ظلامي . هي إصبع في عين كل حاسد، وغصّة في قلب كل حاقد، ودرس وفاء لكل جاحد، وسلّم لكل صاعد .
مصر الضلع الثالث مع سوريا والعراق في مثلث الدول العربية الذي دعا الصهيوني بن غوريون لتدمير جيوشها وتفكيكها، تتعرّض لاختبار تنفيذ الأحلام القديمة والأوهام الذميمة . جيشها يتعرض لشيطنة يتولاها إعلام لا يتقن سوى النعيق بالخراب، من الفضاء تتساقط عواصف التحريض وزخّات الأكاذيب وسناج تشويه الوجوه النظيفة، وعلى الأرض يرسلون له من يصطاد ضباطه وجنوده ويشاغله ويستنزفه ويبقي حياته ووجوده رهناً ب "مساعدات" أمريكا المشروطة ثمناً للكرامة والاستقلال، خدمة لمقولة التفوق العسكري "الإسرائيلي" على كل العرب من خلال التفوق على مصر وإبقائها مكبّلة بأصفاد "كامب ديفيد" .
دم الشهداء من ثورة عرابي والفلوجة وبحر البقر وبور سعيد والسويس ويونيو ،1967 والاستنزاف وانتفاضتي يناير ويونيو الأخيرتين، يسأل أبناء "الإخوان": ما الذي يريدونه من مصر؟ هل السلطة أهم من الوطن؟ هم يريدون أن تبقى مصر مشتعلة بالفوضى ليجعلوا من أنفسهم المخرج الوحيد وتؤول إليهم السلطة التي لم يحافظوا عليها، بل بدّدوها بالأخطاء والنهج الفئوي وضيق الأفق . لا يستمعون لمواقف القوميين والعلمانيين واليساريين، هذا شأنهم . لكنهم لا يستمعون لمواقف أشقائهم في الفكر والتوجّه، الذين يشيرون إلى أخطائهم بالبنان . لو نجحوا لكان غبياً ومشبوهاً كل من يقف ضدهم، لكن الأوطان أغلى من الجماعات، والشعوب أهم من الاحزاب، والمستقبل أضمن من الماضي .
من الواضح أن "الإخوان" لا يستمعون إلا لأنفسهم ولا يريدون أن يعترفوا أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ولم يتّعظوا حتى من تجاربهم الخاصة . لقد حاربوا جمال عبدالناصر ولم يتركوا من سيئ الصفات حرفاً إلا وألصقوه به، وأعملوا فيه سكاكين التشويه والشيطنة من الوريد إلى الوريد، ولكنّهم لم يسقطوه أو يضعفوه، ولم ينتزعوه من أفئدة ملايين المحبين في مصر والعالم العربي وكل الأحرار في العالم .
لا يمكن لجماعة أن تقف في مواجهة أغلبية الشعب وكل القوى السياسية والدينية، وأن تدرك أن سياسة التظاهر العبثي وإشعال الجامعات وتعطيل الدراسة ومشاغلة الجيش تزيد من عزلة أصحابها وتعمق أزمتهم . كفى عبثاً بمصر، ومن يحبّها عليه أن يسهم في بنائها وليس هدمها .

نقلا عن صحيفة "دار الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.