.
.
.
.

الأقمار الصناعية سلاح آخر من أسلحة النظام السوري

عبد الناصر العايد

نشر في: آخر تحديث:

بث النظام السوري منذ نحو سنتين صوراً لقواته في عملياتها ضد الثوار، التي لوحظ فيها وجود صور ملتقطة عبر الأقمار الصناعية بين يدي ضباطه مطبوعة على الورق، بدلا من الخرائط التقليدية. وزاد ظهور هذه الصور مع تعاظم التسريبات من قبل الميلشيات الأجنبية التي جاءت للقتال إلى جانب النظام، نظرا لعدم التزامها بمقتضيات السريَّة العسكرية.

وكانت تسريبات من طرف عناصر في النظام قد أشارت في أوقات سابقة الى استعانة النظام بصور ومعطيات هذه الأقمار، وبخبراء عسكريين روس من وحدات المهام الخاصة أثناء اقتحام بابا عمرو.

لقد غيرت صور الأقمار الصناعية التجسسية، عالم الحروب منذ أن التقطت الولايات المتحدة الأميركية أولى صورها سنة1961 وكانت لمطار میسشمیدتا في الاتحاد السوفييتي السابق. ثم اتضحت أهميتها أكثر إبان أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا سنة 1962. وتعتمد عليها الجيوش المتقدمة بشكل متعاظم سواء فيما يخص الخطط الاستراتيجية أو حرب العصابات والمدن، التي تعتمد على التخفي والمباغتة.

لقد تطورت تقنيات التجسس هذه بشكل كبير للغاية في العقود الأخيرة وأصبحت أقمار التجسس الحديثة قادرة على التقاط الصور والبث الحي والمباشر وإرسالها مباشرة وفي التو واللحظة للأرض لأي نقطة يتم تحديدها من مركز التحكم الأرضي، حيث تتحرك الأقمار الصناعية الحديثة بسرعة كبيرة توازي سرعة دوران الأرض للتموضع في الأماكن التي يراد تصويرها عبر مستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء يمكنها التقاط الحرارة المنبعثة على الأرض من الطائرات والصواريخ والسيارات، وحتى في الأيام الغائمة يمكن للمستشعرات اختراق السحب والتقاط الحرارة المنبعثة وإظهارها على شاشة تلفزيونية، بدقة تصل من أربعة أمتار إلى نصف متر.

ويعتقد اليوم أن ثمَّة أكثر من 200 قمر تجسسي في الفضاء الخارجي للأرض، تصنعها كبرى الشركات العالمية مثل لوكهيد وجنرال ديناميكس وآر سي إيه وجنرال إلكتريك. وتستثمر في هذا الميدان أكثر من ألف شركة عالمية، تبلغ أرباحها السنوية عشرات المليارات من الدولارات. وتسيطر الشركات الأميركية والفرنسية على سوق الاستشعار الأرضي التجاري، لكن من المتوقع أن تدخل الشركات الهندية واليابانية والصينية والبرازيلية هذه السوق المهمة قريبا.

ويعتبر موقع "جوجل مابس" الأشهر عالمياً في مجال الخرائط الفضائية، وقد بدأ في الأساس نتيجة استحواذ شركة جوجل على شركة "كي هول Key Hole" وهي شركة خاصة حكومية ربحية لاستثمار الخرائط الأرضية غير السرية الملتقطة من الأقمار الصناعية، والتي يعتقد أن القمر التابع لها KH-12 قد استخدم لمراقبة منزل أسامة بن لادن.

ويعتبر البرنامج التجسسي الأميركي ثمرة مبادرة الرئيس ريغان التي اشتهرت بحرب النجوم، التي كان الغرض منها حماية الولايات المتحدة من خطر الصواريخ النووية العابرة للقارات، إلا أنه بعد أن اتضح عدم فعالية فكرة إسقاط الصواريخ بواسطة أشعة ليزر التي تطلقها الأقمار الصناعية، توجهت الجهود لتحويله إلى برنامج رقابة متطور.

وكان الاتحاد السوفياتي السابق هو السباق عالمياً في هذا المجال عندما أطلق أول قمر اصطناعي في العالم وهو سبوتنك-1 في 4 أكتوبر 1957م. وتمتلك اليوم وريثته "روسيا" 96 قمرا، منها 59 قمرا للأغراض العسكرية. ويعد القمر "كوسموس 2480" من أهم الأقمار التجسسية الروسية.

وتعد إسرائيل واحدة من أقوى دول العالم في هذا الميدان، حيث انطلق برنامجها الفضائي منذ عام 1959 عندما أنشأت اللجنة القومية لأبحاث الفضاء برئاسة ديفيد بريجمان. وتمتلك إسرائيل اليوم منظومة تجسس مؤلفة من خمسة أقمار، أحدثها "تك سار TecSAR " الذي أطلق في يناير/كانون ثاني 2008 من الهند. وبفضل هذه المنظومة تبسط سيطرتها على فضاء الشرق الأوسط، ودخلت "نادي التجسس الفضائي" الذي يضم فقط الولايات المتحدة وروسيا والصين.

أما القدرات الإيرانية في هذا المجال فهي متواضعة رغم التهويل الكبير الذي تحاط به، وقد أطلقت 3 أقمار صناعية ضعيفة القدرة من الناحية التجسسية هي "أوميد" عام 2009 و"رصد" 2010 و"نوهيد" 2012.

في الحرب السورية الآن، تلعب صور الأقمار الصناعية -التي تزود بها روسيا النظام السوري على الأغلب- دورا كبيرا في معاركه مع الثوار، الذين يشنون عليه حرب عصابات ومدن، حيث باغتوه عشرات المرات وهزموه. وهو يحتاج تلك الصور لتوجيه طائراته واختيار أهدافها في العمق التكتيكي للثوار.

إضافة إلى الاستطلاع والتوجيه، تستطيع بعض الأقمار الصناعية التجسسية اعتراض المكالمات التي يتم إجراؤها عبر أجهزة الإنترنت أو الهواتف الفضائية، وسرقة البيانات الرقمية، وتحديد موقع المستخدم بدقة بالغة. وبعضها يستطيع التقاط حتى المكالمات اللاسلكية. ويزعم الإسرائيليون مثلا، أنهم قادرون على تعطيل منظومة الاتصالات العسكرية السورية كاملة، من خلال التشويش عليها عبر أقمارهم الصناعية.

في الشتاء الماضي تمكن الثوار السوريون من إحراز أكبر تقدم لهم في سنتي الثورة خلال أشهر الشتاء بفضل الغيوم والسحب، التي حرمت النظام من مساعدة الأقمار الصناعية، فعلى الرغم من أن بعض هذه الأقمار لديها القدرة على التصوير ليلا وفي الأجواء الغائمة والمغبرة إلا أن تلك الصور منخفضة الجودة، وعديمة النفع في حالة جنود منفردين أو آليات خفيفة تتحرك بسرعة كبيرة.

وتشير الاستعدادات والتحالفات الواسعة بين كتائب الثوار حاليا، إلى نيتها الخوض في معارك كبرى وربما حاسمة بمجرد دخول الفصل الممطر والغائم، وفي ذهنها أن تستفيد من عدم قدرة الطيران على تقديم المساعدة لقوات النظام، لكنها تغفل في الغالب عن الانتباه إلى العيون المسلطة عليها من الفضاء، وأخذ تأثيرها بعين الاعتبار. أما عن إمكانية استفادتهم في عملياتهم من هذه الصورة فهي غير محتملة اليوم، لكون معظم الدول التي تستطيع أن تقدمها إما داعمة للنظام السوري، أو تتخوف من استخدامها من طرف التنظيمات الإسلامية المعادية، الأمر الذي يزيد من قوتها ونفوذها على الأرض، وهو ما لا ترغب به.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.