.
.
.
.

ليبيا بين النفط والإنترنت

أمجد عرار

نشر في: آخر تحديث:

في ليبيا، وبكل بساطة، تقتحم مجموعة مسلحة مقر شركة الاتصالات في طرابلس الغرب، أخت طرابلس لبنان في الرضاعة الفتنوية، وترغم فنيي الشركة على إغلاق خدمات شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، فانقطعت الخدمة عن مناطق غرب ليبيا وجنوبها . الذريعة المباشرة أن هناك ميليشيات تغلق موانئ النفط في شرقي ليبيا منذ ستة شهور . السبب المعلن وراء إغلاق موانئ النفط هو المطالبة بحكم فيدرالي يمنح الإقليم صلاحيات أوسع على غرار النظام الذي كان معمولاً به في ليبيا عقب استقلالها عام ،1951 علماً بأن ميليشيات برقة صمّمت لها علماً ونشيداً، وليس هذا الإمساك بزمام النفط سوى رسالة استقلال اقتصادي .

الحكومة الليبية تكبّدت خسائر تقدر بتسعة مليارات دولار منذ سيطرة ميليشيات برقة على المنشآت، في حين أن الجرحى الليبيين في المستشفيات الأردنية، والهاربين من هناك والمقيمين في فنادق عمّان، يصرخون شمالاً ويميناً، لكي تدفع عنهم حكومة بلادهم التكاليف، بلا جدوى .

جدلية النفط والإنترنت ليست وحدها ما يرسم الصورة في ليبيا التي عادت إلى ما قبل الإسلام في كل نواحي الحياة . وقد يكون من المفهوم بعد سقوط شبه نظام ليحل بعد اللانظام، أن يواجه الناس مصاعب حياتية إدارية أو تقنية أو سياسية أو اقتصادية، لكن واقع الحال في البلاد يقول إن حياة الإنسان باتت أرخص من السيجارة . من لا يقتل لانتمائه لميليشيا مضادة، يلقى حتفه ليرث القتلة قميصه أو أي شيء يباع بدولار . أصبح ثمن الإنسان دولاراً .

الليبيون بلا تصدير نفط، والميليشيات تقول إن الحكومة فاسدة ولا توزّع عائداته بعدالة . ربما كان هذا صحيحاً في بلد فقد مركزيته تماماً، وبات رئيس حكومته يلقب ب"المخطوف سابقاً"، لكن لماذا لا يتركون "الإنترنت" وشأنه؟ . لماذا يقطعون وسيلة الاتصال الوحيدة التي لا تكلّف صاحبها حياته إن فكّر بوصل الرحم أو خطف رجله باتجاه صيدلية لإحضار الدواء لمريض أو مريضة؟ . ليبيا "المتحررة من الدكتاتورية" باتت في حالة "تصعب على الكافر"، أو كما يقول عجائزنا "فالج لا تعالج"، ويا ليت يحصل ما يكذّب هذا التشخيص .

المواطن العربي الذي أدمن متابعة أخبار "الربيع" بوده أن يستمع لما يمكن أن يقوله "المفكّرون الاستراتيجيون" أصحاب الجيوب الرطبة من نتائج إعادة تأليف وتلحين وتوزيع أغنية "الربيع" . جنرالات التفكير والتحليل سيكررون على مسامعنا أنشودة "المرحلة الانتقالية"، لكن دلّونا على "مفكّر استراتيجي" ليخبرنا إن كانت المراحل الانتقالية محدودة الزمن أم مفتوحة إلى الأبد . كل المحللين والمحرّمين الذين أشبعونا آمالاً وتوقّعات بالحرية للعراق، تبخّروا بعد صرف شيكاتهم . ها هو العراق، مرحلته الانتقالية تسدل الستار على عقدها الزمني الأول، فيما سنتة الأولى أفضل حالاً من الأخيرة . عراق يغرق بالدم، وشعب يخشى التسوّق والتعبّد وارتياد الصيدلية والمدرسة والجامعة، فيبقى في البيت، ويموت أيضاً .

أرائك مريحة وأضواء مبهرة وفواصل إعلانية تمنح الفرصة لتنسيق الزهور المسمومة، قل كلمتك وحلل وحرّم في الإطار المتفق عليه، وخذ "الشيك" ولا شأن لك بدماء تسيل . هذا يفكّر وذاك يكفّر، رافدان لنهر دماء عصي على المفكّرين والمكفّرين معرفة نهايته، لأن الطريق إلى البنك أقرب .

نقلا عن صحيفة "الخليج".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.