لبنان محتل أيضا!

حسين شبكشي

نشر في: آخر تحديث:

لبنان هو أيضا بلد محتل وليس فقط سوريا. لم يعد هناك مجال للجدال في هذه المسألة، فمنذ وصولك إلى مطار لبنان ومشاهد الاحتلال تظهر لك، فعلى قارعة الطريق باتجاه المدينة ترى صورا هائلة للكثير من الشخصيات الإيرانية، ممجدة ومعظمة ومحتفى بها بطريقة تثير الاستغراب والدهشة، في ظل غياب كامل للشخصيات التاريخية التي كونت وساهمت في استقلال لبنان.

وطبعا استمر تكريس فكرة الاحتلال للبنان عبر الولاء العلني الصريح من قبل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهو الفصيل الأكبر اليوم على الساحة اللبنانية من المنظور السياسي الرسمي على أقل تقدير، وهو الذي سمح له بتشكيل الحكومة الأخيرة، الولاء الصريح والمعلن لولاية الفقيه في إيران بشكل لا يدعو فقط للاستغراب والدهشة ولكن أيضا يبعث على القلق والخوف بالنسبة لعدد غير قليل من اللبنانيين بصورة عامة.

الاحتلال الحاصل في لبنان له أبعاد كثيرة ومهمة، منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر، فالشكل المباشر هو الحضور اللافت والطاغي للكثير من «رموز» الوجود الإيراني في شكل اقتصادي وعلى أشكال إعلامية ودور السفير الإيراني المتعاظم في الحديث عن شؤون شتى.

ومظاهر الاحتلال تتجلى بشكل واضح في الزج بلبنان ككل في الدفاع عن المشروع الإيراني المتعاظم في المنطقة ومركزه الكبير في سوريا وتحديدا الدفاع عن أيقونة هذا المشروع المتمثل في نظام الأسد الوحشي والطائفي البغيض، ليكون بالتالي تكريسا أكبر وأعظم على دور «الاحتلال» في تسيير أمور لبنان على الرغم من تحفظ رئيس جمهوريته الذي أعلن احتجاجه علنيا في أكثر من مناسبة على التدخل العسكري من قبل ميليشيات حزب الله في الشأن السوري والقتال بجانب جيش الأسد وميليشيات شبيحته، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس وزرائه الذي وعد وعدا صريحا بالنأي بالنفس تماما وعدم التدخل بالشأن السوري أبدا، وضربت قوى الاحتلال الإيراني في لبنان بهذا الكلام للحكومة وغيره عرض الحائط تماما لتثبت بالشكل العملي الحقيقي أن قوى الاحتلال تخطت المشروع التسويقي لفكرة المقاومة التي استنفد معناها لتتحول إلى أداة عسكرية لحماية مصالح إيران في لبنان وسوريا، وهذه القوى اليوم تشل تماما البلاد سياسيا، فتمنع لأكثر من تسعة أشهر من تشكيل حكومة للبلاد وبشكل لا يمكن وصفه إلا بأنه نهج خطير.

لبنان سيواجه نفس المعضلة مع اقتراب نهاية ولاية ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وكل هذا سيدخل لبنان في فراغ سياسي كبير يكرس هيمنة الاحتلال بشكل أكبر، وهذه المسألة مع التوتر السياسي والطائفي المتشنج بسبب توغل حزب الله في لبنان وممارسته لمواقف طائفية لا بد أن توتر الوضع الهش والضعيف بالأساس في الداخل اللبناني.

قوى الاحتلال لن تهنأ إلا بزيادة الفراغ وإفراغ المؤسسات السياسية القائمة من محتواها حتى تكون الفرصة المواتية المثالية لأجل السيطرة الكاملة على «الأرض»، وخصوصا أنه الفصيل الوحيد المدجج بأعتى أنواع العتاد والسلاح، وكان الحزب قد قدم نموذجا لما يعتزم أن يفعله حينما «احتل» بيروت في 2007 وأفزع وروع أهلها وخرق السلام الأهلي فيها.

قوى الاحتلال في لبنان مستمرة في مشروعها، وكلما زاد لهيب الثورة في سوريا وانفضح التواطؤ الحاصل بين إسرائيل و«المقاومة» للإبقاء على نظام بشار الأسد «الممانع» كان الإسراع بمشروع الاحتلال للبنان أن يكتمل ويأخذ شكله النهائي. لبنان محتل.

* نقلا عن "الشرق الأوسط" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.