.
.
.
.

عام التحولات المصيرية في الشرق الأوسط

غسان العزي

نشر في: آخر تحديث:

كان العام الذي ينصرم أمامنا عصيباً على منطقتنا بكل المعايير . فقد انزلقت مصر، أم العرب، إلى أتون حرب إرهابية، لم تعرفها في تاريخها، تُشن على جيشها الوطني الذي حمى ورعى ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013 . وفي لبنان لم يعد السؤال "هل تصل نار الحرب السورية إليه" مطروحاً، إذ إنه أضحى ساحةً من ساحاتها من خلال التفجيرات الإرهابية وعمليات الاغتيال، والأخطر ظاهرة العمليات الانتحارية التي تهدد بعرقنته . ففي العراق باتت مثل هذه التفجيرات والعمليات جزءاً من الحياة اليومية البائسة فيه . وليبيا بدورها تتجه حثيثاً صوب التشرذم على خلفية إرهاب ميليشيوي يتخذ، هو الآخر، من الجيش حديث الولادة هدفاً يرمي إلى القضاء على مشروع بناء الدولة الواحدة . ودخلت تركيا الأردوغانية في أزمة سياسية، ذات أبعاد داخلية وخارجية، قد تطيح النموذج نفسه الذي يفاخر به حزب العدالة والتنمية . أما سوريا فقد شهدت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، وصل إلى حد استخدام النظام للأسلحة الكيماوية ضد شعبه في حين برهنت بعض فصائل المعارضة التكفيرية عن همجية ووحشية نادرتين . ولكن رغم هذا المشهد القاتم ثمة إشارات ظهرت في هذا العام تشي برغبة دولية وإقليمية في التحرك صوب تسويات قد يشهدها العام المقبل، ذلك أن الأوضاع بلغت من الخطورة على الأمن والسلم الدوليين حداً أقنع الدول الكبرى بضرورة البحث عن مثل هذه التسويات، في ظل استحقاقات خطرة ستشهدها المنطقة .
من هذه الاستحقاقات الاستفتاء على الدستور المصري تمهيداً للانتخابات الرئاسية . فإذا تجاوزت مصر هذين الاستحقاقين، بأثمان يمكن تحملها، تكون قد نجحت في فرض خريطة الطريق والعودة التدريجية إلى مركزها المؤثر ودورها العربي القيادي . وإلا فإن المجهول ما ينتظرها مع تداعياته على المنطقة نظراً لأهمية مصر الجيوبوليتيكية والاستراتيجية .
لبنان الذي أمضى العام 2013 تقريباً من دون حكومة، والذي يعيش انقساماً داخلياً هو الأخطر منذ نهاية الحرب الأهلية في العام ،1990 ينتظر استحقاق الانتخابات الرئاسية الذي ينتهي في مايو/أيار المقبل وبعده الانتخابات النيابية . وعليه بالضرورة تشكيل حكومة في الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة، وإلا فالفراغ الدستوري الذي يدخل معه البلد في مجهول تداعيات الأزمة السورية، وهو مجهول ينسحب على الأمن والمالية العامة والاقتصاد، بل على وجود البلد ووحدته . ولا ننسى المحكمة الدولية التي ستبدأ جلساتها العلنية في الشهر المقبل والتي سيكون لها أصداء عنيفة في الداخل اللبناني المنقسم حولها .
في الشهر المقبل هناك استحقاق مصيري متعلق ليس بالأزمة السورية فقط، ولكن بكل الأزمات المرتبطة بها وهو مؤتمر "جنيف-2" الذي إذا انعقد في موعده سيكون مؤشراً إيجابياً وخطوة على طريق الحلحلة رغم استحالة توصله إلى حل نهائي للأزمة . فإذا تأجل، فهذا مؤشر خطر إلى ابتعاد أفق الحل وإلى استمرار الصراع العسكري بأبشع مظاهره، مع استفحال أزمة اللاجئين السوريين وتأثيرها في دول الجوار . وفي الربيع المقبل يأتي الاستحقاق الرئاسي، فإذا أصرّ الرئيس الأسد على الترشح، مدعوماً من روسيا وإيران، مع العلم باستحالة إجراء الانتخابات خارج بعض الأحياء الدمشقية، فهذا دليل على أن النفق السوري سيكون طويلاً . وربما يتوصل الأمريكيون والروس، في اللحظة الأخيرة، إلى صيغة حل لهذا الاستحقاق فيضغطون على حلفائهم للقبول بها، ما قد يشكل منعطفاً إيجابياً يقود إلى مخرج من هذا النفق . ربما تكون هذه الصيغة تطبيق اتفاق "جنيف-1" القاضي بتشكيل حكومة انتقالية مع صلاحيات كاملة ولفترة محدودة وتأجيل الانتخابات الرئاسية ريثما تسمح الظروف الأمنية .
في العراق أيضاً هناك انتخابات يتوقف عليها مصير رئيس الوزراء نوري المالكي الذي إذا أصرّ على البقاء في رئاسة الحكومة، فإن الوضع الأمني القائم سوف يستمر مع أزمة سياسية لا حلّ لها، وإذا نجح العراقيون في تشكيل حكومة جديدة من دونه، فقد تنفتح أبواب الأمل بحلول تدريجية للأزمة العراقية المفتوحة منذ الغزو الأمريكي له .
أما الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، فإنه يخضع لامتحان في الأشهر القليلة المقبلة، فإما أن يتحول إلى اتفاق نهائي، وإما أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء . الحالة الأولى تساعد على حلحلة أزمات العراق وسوريا ولبنان مع العلاقة الإيرانية السعودية، في حين أن الحالة الثانية تسهم في دفع المنطقة إلى المزيد من التأزم وربما الانفجار الكامل .
وينبغي ألا ننسى المفاوضات "الإسرائيلية" الفلسطينية التي هناك من يبشر بأنها سوف تنتهي ب"شيء ما"
هو اتفاق- إطار أي نوع من "أوسلو-2" يمنع أو يؤجل انفجار انتفاضة ثالثة ويمنح "إسرائيل" المزيد من الوقت لقضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإما يكون سبباً في انفجار الوضع الفلسطيني . إنه استحقاق مهم هو الآخر تقبل عليه المنطقة في الربع الأول من العام 2014 .
أقل ما يقال في العام الجديد، لاسيما في نصفه الأول، إنه سيدفع المنطقة العربية في أحد الاتجاهين: الانفراج أو الانفجار.

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.