.
.
.
.

عام سعيد يا دبي

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

باستعراض مبهر من الألعاب النارية التي تجاوز عددها 400 ألف، احتفلت دبي بدخول العام الميلادي الجديد.

إلا أن دوي تلك المفرقعات البديعة في سماء دبي تجاوز غاية الترفيه، فحملت الاحتفالية رسالة ذات مغزى أهم.

فبعد أقل من خمس سنوات من أزمة اقتصادية فتاكة، ها هي دبي تنتعش وتعود لسابق عهدها، اقتصادها يتعافى، وهي تعج بالسياح وتستقطب المهنيين من كافة الأقطار الذين يقصدونها ليكونوا جزءا من قصة نجاحها التي تكللت منذ بضعة أسابيع بفوز المدينة باستضافة معرض اكسبو 2020 العالمي.

الرسالة التي وجهتها دبي للعالم بأسره عشية العام الجديد كانت واضحة، فهي قالت بشكل صارخ "ها أنا قد عدت".

ولا يسعني سوى القول بكل محبة وصدق "تستاهلين يا دبي!"، وإن أردت أن أضيف أقول إنني أتمنى لو أن الدول العربية المجاورة تتعلم من العمل الشاق والقدرة على التحمل والثقة التي لا تتزعزع التي تتميز بها هذه المدينة العصرية.

قد يسهل على البعض التقليل من قيمة إنجازات دبي بالقول إن "أيا كان يمكنه تحقيق ذلك بحفنة من الأموال"، لكن هناك نقاطا عدة لا بد من أخذها في عين الاعتبار، أولها أن دبي ليست إمارة نفطية أو أنها كانت يوما في مقدمة الإمارات أو الدول الخليجية ثراء، وثانيها أن هناك دولا أكثر ثراء من دبي لم تنجح، أو أنها لم تتمكن حتى اليوم، من تحقيق نصف ما أنجزته دبي على مدى العقدين المنصرمين.

بالطبع فإنني لا أدعي أن هذا المكان مثالي، لأنني مقتنع أنه ما زال على دبي القيام بالكثير في المجالين الثقافي والاجتماعي، على أقل تقدير، لكن ماذا لو قارنا دبي اليوم بالمدن العربية العريقة كالقاهرة وبغداد ودمشق وبيروت؟

يكفي أن يسترجع الواحد منا صور الاعتداءات والتفجيرات وأعمال العنف وجرائم الحقد الطائفي التي ضربت جميع هذه المدن خلال الأسبوعين الأخيرين فقط حتى يقدر ما نجحت دبي في تحقيقه، من دون أن ننسى أنه، خلافا لدبي، فإن معظم هذه المدن غير قادرة على ضمان توزيع المياه والتيار الكهربائي على سكانها من دون انقطاع!

في الواقع، إن اعتبار دبي قادرة على صنع المعجزات ليس مرتبطا على الإطلاق بنجاحها في تقديم أضخم عرض ألعاب نارية على الإطلاق، أو لكونها تضم أعلى مبنى أو أكبر مجمع تجاري في العالم!

لكن دبي تصنع معجزة حقيقية يوميا بمجرد كونها تقع في منطقة مثل الشرق الأوسط بينما تستطيع الحفاظ على سلامة مواطنيها والمقيمين فيها، وإعطائهم الأمل ليكونوا سعداء وفرصة ليحلموا بالحياة التي يطمحون إليها.

ولعل إحدى عجائب دبي أيضا كيف أنه بينما الناس يقتلون أبناء جلدتهم ومواطنيهم في الدول المحيطة بها، فإن الناس يتقاطرون إلى دبي من مختلف أرجاء العالم ليعيشوا معا بسلام وانسجام في معزل عن عرقهم أو لونهم أو دينهم.

وإذا كانت دبي تدل على شيء، فإنها تثبت أن الإنسان قادر على صنع شيء من العدم، وأن كل شيء ممكن مع الرؤية والتصميم على الإنجاز.

ولكن، مع الانتشار المتواصل للتطرف الديني في منطقتنا، أشك في أن نرى قصة نجاح مماثلة لدبي في المستقبل القريب. إذ إنه على ما يبدو فإن بناء الدول ليس أولوية بالنسبة إلى أصحاب الفتاوى الذين يدعون معرفة كل شيء، فعلى الأرجح هم أكثر اهتماما بمعرفة أي قدم تستخدم أولا لدخول المرحاض (وإذا سألوك فاحرص على أن تجيب أنك تستخدم القدم اليسرى إذا أردت تجنب حديث ديني مطول حول الموضوع).

الخلاصة: نعم، دبي جزء من العالم العربي، لكن أمام العالم العربي مسافات طويلة إذا أراد أن يصبح جزءا مما وصلت إليه دبي اليوم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.