.
.
.
.

بمثابة إنذار أخير للجبهة الإسلامية

عبد الناصر العايد

نشر في: آخر تحديث:

لا شيء يستحق البحث مجدداً في انتفاضة بعض القوى الثوريّة في شمال سوريا ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" أكثر من موقف الجبهة الإسلامية بعد تلك الانتفاضة، فالصدام الذي برز مؤخراً متوقعٌ منذ أشهر طويلة، وهيئت له الأجواء منذ أعلن البيت الأبيض عن استعداده لتسليح الثوار السوريين، ثم أحجم بذريعة التخوف من وصول الأسلحة إلى أيدي الإرهابيين، ومنذ ذلك الحين بدأت عملية الفرز للكتائب والفصائل، فمنها من سيدعم، ومنها من سيضيَّق عليه، ومنها من سيحارب، وقد قيّد مسبقاً في خانة المحاربين كلا جناحي القاعدة، جبهة النصرة والدولة الإسلاميَّة في العراق والشام، وبقي وضع الجبهة الإسلاميَّة معلّقاً حتى الأسبوع الأخير من السنة الفائتة عندما حاول الأميركيون أن يتواصلوا معها لتحديد موقفها، إلا أن قادة الجبهة تملصوا وتهربوا كما يبدو، لمعرفتهم أن اللقاء بالأميركيين هو للإجابة بشكلٍ حاسم عن سؤالين، الأول: هل أنتم على خلاف جذري مع القاعدة؟ وعلى استعداد لمحاربتها؟ والثاني: هل تقبلون بمبدأ الانتخاب في سورية المستقبلية أم أنّكم مصرون على إقامة دولة إسلاميَّة؟

تحتاج الإدارة الأميركية التي تصوغ مع روسيا خطة لحلحلة القضيَّة السوريَّة، إلى قوة عسكريَّة تضمن وقف إطلاق النار من طرف الثوار، خاصة في دمشق وما حولها، لتتمكن الحكومة الانتقالية المزمع تشكيلها من تنفيذ أجندتها، ولما كانت الجبهة الإسلاميَّة هي التشكيل الأكبر والأوسع نفوذاً خاصة في ريف دمشق، وذات توجه إسلامي يتوافق مع نبض الشارع السوري العام في هذه المرحلة، فقد بدا أنَّها الخيار الوحيد الممكن للتحالف معه ومنحه بعض الامتيازات المرحلية، ريثما يمكن نزع أنيابها وتحويلها إلى تيار سياسي في إطار عمليَّة شاملة لتهدئة الاوضاع في سوريا ووقف حالة الحرب الشاملة.

لكن هذا الدور المفترض للجبهة سيضعها في مواجهة تنظيم القاعدة أيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً، وهو ما قد تدفع ثمنه باهظاً وبما لا يوازي بحال من الأحوال الميزات التي قد تمنح لبعض قادة الجبهة، كما أنه يسلبهم قدرتهم على فرض إرادتهم على الشعب السوري فيما لو اقروا بالاقتراع سبيلاً إلى الحكم، الذي يراه بعضهم قاب قوسين أو أدنى من متناول يده، ولا منازع لهم في هذا الصدد سوى تنظيم القاعدة.

ربما ظنَّ قادة الجبهة الإسلاميّة أن عقبة القاعدة التي تقوم في وجه طموحاتهم ستزيلها الولايات المتحدة في سياق حربها المعلنة على هذا التنظيم، فيخلو لهم الجو بعد ذلك للتفاهم مع الغرب دون أن تلحقهم تهمة التحول إلى صحوات أو الردَّة، أو غيرها من المصطلحات التي صار يلمح إليها بعض الناطقين باسم البغدادي، لكن الأميركيين لم يمنحوا قادة الجبهة هذه الفرصة، وقدموا لهم في نحو أسبوع، نموذجاً للبدائل المتاحة لهم في حال بقيت الجبهة على تمترسها الايديولوجي ورفض التعاون، ووضعوهم أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما أن ينظموا إلى الحرب على القاعدة بشقيها ويتخلون عن تشدّدهم إزاء فكرة الدولة الإسلاميَّة ويلتزمون بالانتخابات كسبيل للحكم كحدٍّ ادنى، حتى لا نقول بالديمقراطية، وإما فثَّمَّة قوى جاهزة ومستعدة لتلتهمهم كما التهمت في نحو أسبوع معظم تنظيم دولة العراق والشام.

ولكن ما الذي يضمن للجبهة الإسلاميَّة، في حال شاركت بالحرب على القاعدة، أن لا تكون الضحيَّة التي أكلت يوم أكل الثور الأبيض؟ فهي في الحقيقة لا تبعد في الايديولوجيا ولا في السلوك الفعلي، خاصة أتباع زهران علوش وحركة أحرار الشام، سوى القليل عن فكر القاعدة وممارساتها.

من ناحية أخرى تواجه الجبهة الإسلاميَّة منافسة كبيرة من جبهة النصرة التي تتزايد شعبيتها يوماً بعد آخر بفضل سلوكها المعتدل في المناطق التي تعمل فيها، وتزايد أعداد المنظمين إليها خاصة بعد ضرب تنظيم البغدادي، وبسبب موقفها الأيديولوجي الواضح خاصة ازاء الغرب، المحسوم سلفاً باعتبار أن الولايات المتحدة تضع تنظيم الجولاني على قائمة الارهاب لديها، فقد تخسر الجبهة الاسلامية نواتها الصلبة، اي الفئة الأكثر التزاماً أيديولوجياً من اتباعها، فيما لو هادنت الغرب أو غيَّرت توجهاتها الرئيسية. وإذا ما اضيف لهذا الاحتمال امكانية انسحاب بعض الفصائل التي انضمت إلى الجبهة مؤخراً مرغمة للاحتماء بها من تنظيم البغدادي، تصبح الجبهة الاسلامية إذ ذاك تنظيماً مثله مثل أي تنظيم اسلامي من التي يعج بها الواقع السوري، وتفقد أي امتياز أو أرجحيّة مستقبلية.

مجمل هذه التحديات، مع اقتراب موعد جنيف 2 يفرض على قادة الجبهة الاسلامية متحدين، وربما فرادى ومختلفين، أن يتخذوا موقفاً يتعدى الاجراءات والخطط العسكرية، والبيانات الإعلامية العابرة، إلى تبني اعلان مبادئ جديد، واضح وجذري، يأخذ بعين الاعتبار تجربة تنظيم دولة العراق والشام في سوريا، والارتياح الشعبي الملحوظ للحرب عليها، والعبرة التي يمكن استخلاصها من تلك التجربة وهي: إن زمن السلطة الشمولية تحت أي شعار كان قد أفل، وان نظام السيطرة بالعنف، أو التهديد به، قد ولى إلى غير رجعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.