.
.
.
.

الخلاف داخل الائتلاف!

فايز سارة

نشر في: آخر تحديث:

على مدار الأسبوع الماضي، كان موضوع الخلاف في الائتلاف بين المواضيع الأكثر سخونة في الإعلام العربي وفي بعض الإعلام العالمي، والأمر في هذا طبيعي انطلاقا من أمرين اثنين؛ أولهما أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، هو الوعاء الأكبر والأكثر تمثيلا والأهم بين كيانات المعارضة، والثاني أن إعلان الخلاف داخل الائتلاف إنما يأتي والائتلاف على بوابة «جنيف 2»، الذي يُفترض أن يكون فيه الائتلاف على رأس وفد المعارضة ممثلا للشعب السوري في مواجهة وفد نظام الأسد، للبحث في حل سياسي للقضية السورية وفق إرادة المجتمع الدولي وخطته في عقد «جنيف 2».
وعودة إلى الخلف، يمكن التأكيد أن الخلاف في الائتلاف ليس بجديد، وهذا أمر طبيعي يكمن في طبيعة أي تحالف سياسي نتيجة اختلافات آيديولوجية وسياسية، يمكن أن تذهب إلى افتراق في أي لحظة، أو تظهر تناقضاتها وخلافاتها إلى العلن، والائتلاف ليس أكثر من ذلك، إضافة إلى أن ظروف تشكيل الائتلاف الذي بدا في لحظة التأسيس عبارة عن عملية جمع ولصق سريعة لقوى وشخصيات من المعارضة، من أجل إنجاز مهمة محددة، بدت في ذلك الوقت وكأنها التمهيد لمرحلة انتقالية تعقب سقوط نظام الأسد، والبدء في إقامة نظام جديد يخلفه.
وسط تلك الحالة ولد الائتلاف وفي داخله خلافات عادية، لكن هذه الخلافات تطورت في ظل مشكلات واجهها الائتلاف بفعل مهمته التي جرى تفصيلها بصورة مرحلية، وبسبب سيطرة مجموعة معينة عليه جعلت من الائتلاف هيكلا على مقاسها، فقد جرى تسريع أزمة الائتلاف، وجعله عرضة لعملية توسعة مرتين في نحو ثمانية أشهر، بحيث صار الائتلاف إلى نحو ضعف عدده الأول.. وزيادة أعداد ممثلي التيار الديمقراطي في التوسعة الثانية، أدت إلى حدوث انقلاب سياسي وتنظيمي في الائتلاف قاده تحالف سياسي جديد استبعد القيادة السابقة في أول عملية انتخابية يشهدها الائتلاف، وهو تحول جعل الخلاف يفجّر صراعا بين الكتلتين؛ واحدة فازت عبر انتخابات ديمقراطية وشفافة، وتدعو إلى عمل مشترك، وأخرى تصر على وجودها ونفوذها، ولو عبر الكيدية وسياسة التعطيل، مما أدى إلى بطء عملية الإصلاح السياسي والتنظيمي في الائتلاف وتعطيل بعض مساراتها الممكنة.
لقد فتحت الدورة الأخيرة للائتلاف الباب أمام معالجة الخلافات داخل الائتلاف بصورة ديمقراطية، عبر عملية انتخابية تتيح فرصا متساوية لمختلف الأعضاء في الوصول إلى عضوية الهيئتين الرئاسية والسياسية، وعبر مناقشة حرة لأعضاء الهيئة العامة لتحديد مواقف وسياسات الائتلاف، لا سيما في موضوع «جنيف 2»، الذي يفترض أن تقرر الهيئة العامة إذا كان للائتلاف أن يذهب أو لا يذهب للمشاركة فيه، لكن روح الصراع منعت الذهاب إلى معالجة أوضاع الائتلاف، ودفعت بالخلافات حد الانفجار لدى الخطوة الأولى من العملية الانتخابية، وحسم موقع الرئاسة، فبدأت عملية الانسحابات والاستقالات من الائتلاف، بعد إصرار على تعطيل اجتماعاته دون فائدة لمدة يومين.
إن المبررات التي ساقها المنسحبون والمستقيلون تفسيرا لموقفهم ركزت على رفضهم الذهاب إلى «جنيف 2»، علما بأن الهيئة العامة لم تكن ناقشت، وهي لم تتخذ حتى الآن قرارا بالذهاب إلى «جنيف 2»، وأضافوا إلى ذلك مبررا آخر، وهو كلام عن استئثار وتفرد بالقرار السياسي في الائتلاف، وهو أمر غير حقيقي، وعلى مدى الفترة الماضية، شارك ممثلون عن كل التيار، وكثير من الشخصيات الوطنية في أنشطة الائتلاف، وجرى ضم كثير منهم إلى الهيئة السياسية الموسعة، بل إنهم دعوا للمشاركة في الهيئة السياسية المرتقب توسيعها لزيادة حجم تمثيل أعضاء الائتلاف. كم أُشير في المبررات إلى استخدام المال السياسي، وللأسف، فإن أحدا لم يقدم معطيات ووثائق على هذا السلوك، مما يسمح بمحاسبة أصحاب هذا النهج الذي يعرف كثيرون أنه كان حاضرا في فترات سابقة، وكان يجري بصورة علنية.
خلاصة القول إن هناك مستوى طبيعيا من خلافات في الائتلاف، وهذا مقبول ولا خلاف عليه. لكن ثمة مستوى آخر غير مقبول، وينبغي حسمه، تمثله خلافات مصطنعة مغرضة هدفها السيطرة على الائتلاف أو تعطيله، عبر الكيدية وحملات الاتهام والتشهير، دون أخذ المعطيات القائمة؛ سواء داخل الائتلاف أو خارجه بعين الاعتبار، بل ومن دون النظر إلى المصلحة الوطنية العليا للشعب السوري وثورته، التي تتطلب اليوم مستوى أعلى من الوحدة واليقظة والإرادة السياسية للتقدم على خط الصراع مع النظام، سواء في المجال العسكري لتغيير توازنات القوة المختلة على الأرض، أو في المجال السياسي الذي يسعى النظام إلى التقدم فيه وإعادة تأهيل وتسويق ذاته؛ سواء عبر «جنيف 2» أو غيره، مستفيدا من سلبيات موقف المعارضة، وعدم قدرتها على خوض صراع مع نظام تقول عن حق إنه نظام ضعيف وفاقد لشرعيته السياسية والأخلاقية.


*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.