.
.
.
.

جنيف والرؤى المتناقضة

هشام ملحم

نشر في: آخر تحديث:

ليس من المبالغة القول ان مؤتمر جنيف 2 لحل النزاع في سوريا هو من اكثر المؤتمرات الدولية التي عقدت في العقود الاخيرة من غير ان تتوافر لها سلفاً حتى ابسط شروط النجاح. المتفاوضون الرئيسيون جاؤوا الى جنيف مرغمين، وهم اضافة الى الطرفين الراعيين: واشنطن وموسكو، يطرحون الازمة وتصورات حلولها بطرق متناقضة في المطلق تجعل من الصعب للغاية ان لم يكن من المستحيل التوصل الى حل تفاوضي. الرئيس الاسد كان ولا يزال يرفض مضمون مرجعية المؤتمر أي "انتقال السلطة". الاسد يرى ان التطورات الميدانية الاخيرة هي لمصلحته، وغطرسته وصلت الى حد الاعلان – عمليا – عن ترشحه لولاية ثالثة عشية المؤتمر.

خطاب وزير الخارجية الاميركي جون كيري في جنيف كان واضحا لجهة اعادة تأكيده رفض واشنطن بقاء الاسد في السلطة والدعوة الى حكم بديل. لكنه لم يطرح – وليس من واجبه ان يفعل - تصوره للحكم البديل، فهذا واجب المعارضة. لكن المشكلة هي ان الرئيس اوباما منذ بدء النزاع وتحديداً بعد اقدام النظام على التطهير المذهبي لمناطق سنية، وبعد بروز التنظيمات الاسلامية السنية المتطرفة، يطرح النزاع على انه صراع مذهبي في اطار اقليمي.

وزير خارجية سوريا، وليد المعلم القى خطابا ديماغوجيا وسورياليا وكأن سوريا التي تستبيحها عائلة واحدة منذ 42 سنة وحزب فاشي منذ اكثر من نصف قرن، هي سويسرا، حمّل فيه الدول المجاورة والغرب والمعارضة مسؤولية كل الفظائع التي شهدتها سوريا في السنوات الثلاث الاخيرة، طارحا نظامه الضالع في الارهاب الداخلي والخارجي على انه ضحية ارهاب اسلامي ظلامي. ومن جهتها، روسيا تشاطر صوغ النظام السوري نظرته الى الصراع على انه ضد الارهاب الاسلامي المتطرف.

المعارضة الممثلة في جنيف، لم تطرح بشكل متكامل وواضح ما هو تصورها لمستقبل سوريا بعد حكم الاسد، اكثر من المطالبة باطاحة النظام واقامة نظام تمثيلي. المعارضة لم توضح موقفها من الاقليات المسيحية والعلوية والكردية (التي لا يمكن حكم سوريا من دون مشاركتها). على سبيل المثال، هل تقبل بحكم ذاتي للاكراد؟ هل تتعامل مع البعثيين في المستقبل كما تم التعامل معهم بعد اطاحة صدام حسين في العراق؟ اضف أن المواقف الايجابية لبعض اقطابها (وبينهم مسيحيون) من تنظيمات متطرفة مثل جبهة النصرة كان لها اثر سلبي للغاية.

صحيح ان المعارضة السورية المشرذمة نجحت في ارغام النظام على الجلوس امامها الى طاولة المفاوضات واعطائها – مرغما - شرعية تمثيل قطاع كبير من السوريين الذين يرفضون النظام برمته، لكن هذا الانجاز الرمزي يمكن ان يتبخر اذا لم تقنع السوريين والعالم من منبر جنيف بانها تملك البديل.

نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.