التحديات أمام ''الغلاسنوست'' الإيراني الجديد

بهروز بهبودي
بهروز بهبودي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

قبل خمسة وعشرين عاماً، كانت قيادات الاتحاد السوفيتي تسيطر على مساحة كبيرة من العالم، وتخضع لها شعوب كثيرة ومتنوعة ثقافياً ومذهبياً وإثنياً، وحاولت موسكو بكل ما تمتلكه من نفوذ وسطوة صهر تلك الشعوب المتنوعة في بوتقتها الأيديولوجية الموحدة تحت مظلتها الشيوعية آنذاك، فكان يبدو للكثير في الظاهر أنها نجحت في تلك السياسة إلى حد ما، ولكن النتائج في ما بعد أثبتت الفشل الذريع لتلك السياسة،
والسلطات السوفيتية كانت تخصص الميزانيات الطائلة فى مجالات التصنيع العسكري وسباق التسلح النووي والصاروخي، لمنافسة غريمتها الولايات المتحدة الأميركية والغرب، في حين كان التدهور الاقتصادي والسياسي يعصف بإمبراطوريتها الشيوعية، وكانت معالم التخلف الاقتصادي والسياسي منتشرة وظاهرة في كل جمهورياتها آنذاك.


مع كل هذه المشاكل كان القادة السوفييت يركزون على جانب التسلح والسباق العسكري، ويحاولون منافسة الأميركيين فيه، من دون مراعاة الوضع الاقتصادي والسياسي لشعوبهم. وهذا كان له تداعيات خطيرة على الشعوب، حيث أصبح الفرق والاختلاف بين شعوب الاتحاد السوفيتي والشعوب الغربية من حيث الرفاهية والاقتصاد والتنمية لا يقارن.


في الاتحاد السوفيتي في ظل سياسة الجدار الحديدي والانغلاق السياسي لم يكن بإمكان أي حزب سياسي أو شخص ما مهما كان نفوذه التفوه بأي نقد أو توجيه أي اعتراض سياسي على الوضع المتدهور، وكانت السلطات السوفيتية تقمع كل صوت باسم الشعب والاشتراكية والأيديولوجية المعادية "للإمبريالية"، كما هو الوضع الآن في إيران الإسلامية.


ولم تكن موسكو الأيديولوجية تعير أي اهتمام للمطالب الإنسانية والحريات الفردية والفكرية التي تعد مطالب أساسية وجزءاً لا يتجزأ من طبيعة البشر وفطرته الإنسانية. وعدم اهتمام السلطات في موسكو بهذه المطالب الإنسانية والتوجه للحريات من جهة وجموح شهوة القدرة والسلطة لديهم من جهة أخرى، جعل الإمبراطورية العسكرية العملاقة تنهار دون حرب وفي أسرع وقت، حيث لم يكن أحد يتوقع انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان قادته يحلمون بتصدير الثورة البلشفية للعالم أجمع.


إذن الإمبراطورية الأقوى عسكرياً انهارت بسبب إهمال شعبها وتدهور حالته المعيشية وضعفه الاقتصادي والسياسي، وانقسمت إلى ۱۵ دولة وجمهورية مفككة بعد ما كانت موحدة وصلبة عسكرياً، وسرعان ما أعلنت جمهوريتا ليتوانيا وأستونيا استقلالهما.


وإثر هذا الانهيار السوفيتي احتفل مئات الملايين من البشر والشعوب التي كانت تئن تحت وطأة هذه الإمبراطورية الفاشلة، لأن الشعوب كانت ترى في ظل وحدة وسيطرة السوفييت سبباً رئيسياً في كل مآسيها وفقرها وتخلفها، لذا انهيارها كان يعني انهيار نظام الظلم والتخلف والفقر.
وكانت البيريسترويكا والغلاسنوست السوفيتية بقيادة ميخائيل غورباتشف ليست عملية تغيير في الاتحاد السوفيتي فحسب، بل انعكست هذا التغييرات على كل المنطقة والعالم بأسره.


اليوم.. وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً على انهيار الاتحاد السوفيتي وهذه السياسات الفاشلة نرى نظام الملالي المدعوم من موسكو في طهران يسير على نفس النهج، الذي تسبب في انهيار الاتحاد السوفيتي.

لقد أنفق نظام الجمهورية الإسلامية في إيران مئات المليارات من الدولارات لتطوير برنامجه النووي الطموح على حساب تدهور الوضع المالي والمعيشي للإيرانيين، وكادت مكونات الأسرة الإيرانية تنهار بأكملها، بسبب الفقر والضغوط المعيشية، علاوة على التكاليف الباهظة والأضرار الاقتصادية والتنموية، التي لحقت بإيران إثر إنشاء هذا المشروع النووي المشؤوم، الذي أدى إلى زيادة المخاوف في المنطقة والعالم بأسره، من إيران بسبب سياسة التحريض والعداء التي تمارسها طهران.


هذه الممارسات والأساليب العدائية في المنطقة لعبت دوراً أساسياً في فرض العقوبات على إيران وتدهور الحياة اليومية للشعب الإيراني.
هناك وجهات شبه مشتركة بين حكام طهران الحاليين وحكام الاتحاد السوفيتي السابقين، وأوجه الشبه هذه لا تنحصر فقط في موضوع الرغبة الشديدة في التسلح والاهتمام بالجانب العسكري فحسب، وإنما يتشابه النظامان أيضا في ظهور الغلاسنوست في البلدين، وهما روحاني وغورباتشوف، حيث كان غورباتشوف أحد صقور الاتحاد السوفيتي وقضى مع السلطات السوفيتية كل حياته العملية، حيث تدرج في النظام الشيوعي حتى وصلة إلى سدة الحكم وتسلم مقاليد السلطة، ولكنه قام بالإصلاح والتغيير عبر برنامج البيريسترويكا والغلاسنوست.
وحسن روحاني أيضاً مرَ بنفس خطوات غورباتشوف، وله نفس المواصفات. حيث ساهم روحاني في بناء هذا النظام عبر ثلاثة عقود وكان يشرف على كثير من الأمور، بل كان مسؤولاً عن مجلس الأمن القومي في إيران، بالإضافة إلى أنه شغل منصب كبير المفاوضين النوويين في عهدي رفسنجاني وخاتمي. والآن تسلم السلطة ورفع شعار الاعتدال والتغيير. إذن فالمؤشرات والتقارير من داخل دهاليز السلطة في إيران تقول إن روحاني مصمم ومصر على إيجاد تغييرات جذرية في إيران دون مراوغة وبشفافية كاملة.


والاستطلاعات تفيد أن الشعب الإيراني يأمل في أن يضع الغلاسنوست الإيراني الجديد روحاني حداً لتمركز السلطة في يد واحدة فقط، والتي تحاول صرف المليارات من الدولارات فقط لضرب أعدائها في الخارج.


الحقيقة الجلية أن إيران أنفقت مليارات الدولارات على المشروع النووي إلا أن كل هذه التكاليف راحت دون نتيجة ملموسة في هذا المجال. وإن الشعب لا يريد من روحاني أن يخلصه من النظام كلياً، لأن هذا غير معقول وليس باستطاعة روحاني، وإنما يأمل الشعب الإيراني في تحسين وضعه المعيشي والانفتاح على العالم، والتطلع لمستقبل أفضل.


حقيقة.. لا أحد يستطيع أن يحكم على روحاني بأن محاولاته هذه تصب في المصلحة الإيرانية العليا أو مجرد محاولة لإنقاذ النظام من السقوط الحتمي والانهيار، الذي كان ينتظره قبل اتفاق جنيف النووي.


هناك تحديات كثيرة أمام محاولات الغلاسنوست الإيراني، أهمها تغيير الطريقة في التعامل مع القوى العالمية، وخاصة في ما يخص الملف السوري والتعاون مع الدول الكبرى في حل هذه الأزمة العالمية ويعتبر هذا من التغييرات البديهية المفروض اتخاذها من قبل روحاني في المرحلة الراهنة.


الذي شاهدناه في الأشهر الأخيرة في السياسة الإيرانية لا يعد تغييراً جذريراً إلا في ما يخص البرنامج النووي فقط. أما بالنسبة للملف السوري فالوضع لم يطرأ عليه تغير في السياسة الإيرانية.


وبالنسبة لتأثير السياسة الإيرانية الجديدة - التي اتخذها روحاني مع الغرب في الشأن النووي على الساحة الإقليمية - فيتمثل في تأثرّ العلاقات الأميركية- السعودية، حيث من المتوقع أن تشهد هذه العلاقات السعودية- الأميركية توتراً قد يؤثر في المستقبل القريب على المنطقة.
ومن أوجه التشابه أيضاً بين إيران والاتحاد السوفيتي أن الاتحاد السوفيتي السابق صرف المليارات من الدولارات على الميزانية العسكرية، وجعل دول العالم تتخوف منه فأصبح بهذه الخطوة عدواً للعالم بأسره، ورغم قوته ومكانته العسكرية، فقد كان وضعه على الصعيدين الاقتصادي والسياسي متدهوراً إلى حد كبير.


ونفس الشيء يحدث في إيران فالطموحات النووية أصبحت عامل تهديد للأمن الإقليمي والعالمي، حيث لم تحقق هذه الطموحات العسكرية الإيرانية أي شيء إيجابي للشعب الإيراني، بل على العكس من ذلك ازداد الفقر والبؤس وتدني المستوى المعيشي. لذا يمكننا أن نستنتج أن قبول النظامين الديكتاتوريين بالغلاسنوست ما هو إلا نتيجة مباشرة للعزلة الإقليمية والدولية من جهة، والضغط الشعبي الداخلي الذي يكاد يطيح بالنظام من جهة أخرى.


أما بالنسبة لأوجه الفرق والاختلاف بين تجربتي إيران والاتحاد السوفيتي، فإيران أعطت الفرصة لظهور الغلاسنوسنت روحاني عندما أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الكامل.


انطلاقاً من هذه المستجدات توصل كل من خامنئي – المرشد الأعلى - وحسن روحانی – رئيس الدولة – إلى أنه لابد من تسوية الملف النووي الإيراني مع القوى الغربية، واعتبرا هذه التسوية فرصة ذهبية للتغيير، الذي لا مفر منه لإخراج طهران من عزلتها الإقليمية والدولية، وإنقاذها من السقوط المحقق. وعلى روحاني لإنجاح مشروعه الإصلاحي أن يتخذ الخطوة الأولى، وهي إعادة النظر في موقف إيران من الثورة السورية، لأنه دون هذه الخطوة تبقى إيران منزوية إقليمياً ودولياً وإسلامياً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط