.
.
.
.

إلى عبد العزيز محمد الذي فارقنا باكراً

طالب كنعان

نشر في: آخر تحديث:

تحامل على نفسه عند الإجابة عن اتصالي منذ أسبوعين، محاولاً أن يُبقي على خفة ظله، وقال بلكنته المصرية وهو على فراشه في مستشفى دبي "أنتَ نسيتني يا دكتور، أنا زيزو، كلها كم يوم وأرجعلكم".

لم أكن أدري أن هذا الاتصال سيكون الأخير مع عبدالعزيز محمد "مدير المسرح" في قناة "العربية"، إذ لطالما أدهشني هذا الشاب بنشاطه وحيويته، والأهم بقدرته على تحمل أمزجتنا المتقلبة نحن معشر المذيعين ومقدمي البرامج.

منذ نحو سبع سنوات أو أكثر دأب هذا المصري الفارع الطول على تجهيزنا قبل الهواء مباشرة، تارة يقوم "بتشييك" مستوى الصوت، واضعاً لنا سماعة الأذن، وتارة أخرى يركب الميكروفون في خبايا ستراتنا مع سؤاله الدائم "كل حاجة تمام؟"، وكنا ننهال عليه أسئلة وطلبات من الصوت المرتفع في القاعة، إلى عدم وجود تكييف مناسب، مروراً بالإضاءة خفيفة كانت أم قوية، والأسلاك الممتدة تحت أقدامنا كالأفاعي الرقطاء، وصولاً إلى عدم طباعة "السكريبت" في الوقت المناسب.

وكلها أمور لا علاقة مباشرة لعبدالعزيز بها، فهي تقع ضمن مسؤوليات غيره، ومع ذلك كان "زيزو" يتلقف كل نزقنا دون تأفف أو ضجر، قائلاً على الدوام والضحكة لا تفارق ثغره: "حاضر واللهِ".

كان يدخل مكتبي قبل نشرة المساء سائلاً بكل أدب: "فاضل خمس دقائق يا دكتور"، وكنت أقابله بالصياح وبلكنة مصرية محببة إلى قلبي: "مش عايز، بقى قُلي حتعمل إيه"، فما كان منه إلا الضحك والاستطراد: "هو حد زعلك؟ أجبلك حاجة تشربها قبل الهوا...".

كنت أثقل عليه بطلبات جانبية من تصوير بعض المستندات، إلى إصلاح الهاتف، وصولاً إلى معرفة مواعيد المباريات في الدوري الإسباني، وبما أنني من مشجعي برشلونة فقد كان يحرص على تهنئتي عند الفوز وتطبيب الجراحات عند الخسارة.

لم أسمع منه تأففاً، ولم أشاهده يوماً غاضباً، كان متواضعاً بغير دروشة، وخفيف ظلٍ بدون تملق، قانعاً بما كتبه الله، فلا حاجة للمزاحمة والمكاسرة كما قال لي يوماً: "أنا معملتش مشكل بحياتي".

كنت وعدته خلال اتصالي الأخير بأن أزوره في المستشفى، لكنني أخلفت بوعدي مرغماً بعد نقله إلى وحدة العناية المركزة بسرطان الدم، إذ إن الدخول إلى هذا القسم كان صعباً جداً ولا يسمح به إلا للأطباء أو لفرد واحد وقريب جداً من العائلة، كما أنني لم أكن أتوقع أن ينال منه خبيث العصور بأقل من أسبوعين.

وقع علي خبر وفاته السريعة وقع الصدمة، فعبدالعزيز كان يعيش وحيداً في دبي، أو كما يُقال بالعامية المصرية "مقطوع من شجرة"، وهالني أن تنطفئ شعلة حياة هذا الشاب وهو لم يزل في عشرينيات عمره، وهو في عز عطائه لمطاردة حلم هنا أو لبناء عائلة هناك.

رحل عبدالعزيز بعيداً عن محروسته مصر، فهو كمعظم الشباب العرب الذين يظلمهم ضيق حال بلدانهم فيهيمون فوق هذه المعمورة كالطيور المهاجرة تموت خارج أوطانها،لكن لا مرد لقضائه، ولكل أجل كتاب، ولله ما أعطى، ولله ما أخذ.

"زيزو" أيها الجندي المجهول، المتواضع عن قوة، والحريص عن مقدرة، أيها العامل بصمت بعيداً عن ضجيجنا وعقدنا، ستظل فرداً من عائلتنا، وسنذكرك عند كل تحية ومطلع كل نشرة، لسان حالنا معك ما قاله أحد الفلاسفة: "رُبَّ جنازة عند البشر كانت عرساً عند الملائكة".

سامحنا يا عبدالعزيز، فكثيرون لم يتسن لهم أن يقولوا لك إننا نحبك، نحبك، نحبك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.