.
.
.
.

ما زال العرض مستمراً..

محمد فهد الحارثي

نشر في: آخر تحديث:

المؤشرات تقول إن مستقبل المنطقة سيكون قاتماً ودموياً، إذا انجرفت الشعوب في لعبة الحروب الطائفية. خطورة الطائفية أنها نار ستبيد الأخضر واليابس، وتنقلب حتى على مشعلي هذه الفتنة. الطائفية عمل سياسي وليس دينياً، فكونك تنتمي إلى طائفة لا يعني بالضرورة أنك طائفي، ولكن حينما يقدم الولاء للطائفة على حساب الولاء للوطن والقانون، ويعمل وفق ذلك، فهنا تصبح الطائفية واضحة وخطيرة.

والخلاف الطائفي الحالي مشكلته أنه يُوظّف سياسياً من أجل خدمة أجندة معينة، والسياسة تستخدم مفهوم الانتهازية والوسائل غير الشرعية للوصول إلى أهدافها. وحينما تلوث السياسة مفاهيم الدين، فإن الخطر سيتجاوز إلى أجيال وستفتح حروب لا تنتهي. من الأخطاء الجسمية التي يرتكبها الساسة في حق الأمة، إشعال التعصب الطائفي وحقن عواطف الناس بالتشدد في هذا المجال. وعندها يتهدد حتى مفهوم الدولة، وتصبح هناك قضايا تستنزف اهتمامات الناس وموارد البلد، بدلاً من تفريغها في تنمية وتطوير التعليم وبناء كيان اقتصادي منافس.

وفي العالم الإسلامي أصبح الخلاف الطائفي قضية خطيرة ومطروحة بشكل لم يسبق له مثيل، يساعد في ذلك إقحام السياسية في الدين، وتطوير وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي، التي عملت بدورها بمجهر يضخم الصورة ويشعل العواطف المفرطة.

وبغض النظر عن نظرية المؤامرة، فبالتأكيد هناك جهات مستفيدة من انغماس العالم الإسلامي في الحروب الطائفية، لأنها تعني تدميراً عميقاً للمنطقة وضمان استمرارية التناحر الشعبي لسنوات طويلة.

ولكن هذا ليس شماعة نعلق عليها، بل هي مسؤولية أبناء المنطقة في المقام الأول. والطائفية أسهل طريقة لتفتيت الدول، يقول زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق "إن أفضل وسيلة لتفتيت الأنظمة والدول والشعوب، هي تعميق التعدد المذهبي والطائفي والعرقي، من خلال تمكين طائفة بعينها ودعمها لقهر بقية المكونات". وحالياً هذا ما يحصل في دول عربية، وينبئ بمستقبل صعب للمنطقة.

التاريخ يعلمنا دائماً أن الصراعات الطائفية هي مقبرة الشعوب، فألمانيا في حرب الثلاثين عاماً، وهي بدأت كصراع طائفي بين الكاثوليك والبروتستانت عام 1600، خسرت نصف عدد سكانها من الذكور، ودمر ثلث مدنها. أوروبا تعلمت من أخطائها وتجاوزت التعصب الطائفي، فمن المستحيل أن يتحدث أحد عن صراع كاثوليكي بروتستانتي في أوربا اليوم، والانتماء لطائفة أصبح قضية شخصية من حقوق الفرد واختياراته.

الخلاف السني الشيعي قضية مستحدثه في مجتمعاتنا، فكثير منا لم يكن يسأل أو يهتم بقضية الانتماء الطائفي، وربما تكتشف أن جاراً لك من طائفة أخرى دون أن يمثل ذلك قضية. بل إنه تاريخياً لم يكن الخلاف السني الشيعي عقدياً بل هو في أساسه خلاف سياسي بحت، ارتبط بقضية الخلافة وتولي الحكم. وهذا النزاع حسب الرصد التاريخي، كان يمكن له أن يخمد في وقته، لكن دخول أطراف مستفيدة من إشعال الصراع هو الذي أدى إلى الفتنة بين المسلمين. ويرى كثيرون أن عبد الله بن سبأ، كان له دور كبير في خلق هذه الفتنة. وهكذا يلعب آخرون دور المحرض، ويتورط فيها قيادات وعلماء كثير منهم عن حسن نية.

والغريب أننا نقرأ التاريخ ولا نستفيد من تجارب وعبر الماضي، فالصراع الذي وقع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية في إيران كان بصمة سوداء في تاريخ العالم الإسلامي، لأنه رسخ مفهوم الصراع الطائفي. واليوم وبعد التغييرات التي حدثت في المنطقة بعد ما يسمى بالربيع العربي، يعود الصراع الطائفي إلى الواجهة مجدداً. والمقلق أنه أصبح يندرج ضمن أدبيات الحراك السياسي اليومي، وكأنه بديل للصراعات الأخرى في المنطقة !

المعارك اليوم القائمة في المنطقة وقودها التعصب العاطفي، والغريب أنه رغم التجارب ما زالت الأخطاء نفسها والأفكار تتكرر، وكأننا لا نتعلم. فالعراق يُجسّد صورة واضحة للاستقطاب الطائفي، واللعب بورقة الطائفية أدخل العراق كدولة في نفق مظلم، والأيام هناك حبلى بالكثير. وسوريا التي تتغذى اليوم في حربها الداخلية على وقود المد الطائفي، وتورط الساسة في إقحام موضوع الطائفية التي ستجعل مستقبل سوريا بكامله في مهب الريح. ولبنان دفع ثمناً غالياً للصراع الطائفي الداخلي، وما زال يعيش رهيناً لحالات التشدد الطائفي. وهناك اليمن والتمدد الحوثي وخطورة انفلات الأمور، والبحرين، حيث تلعب عوامل خارجية دوراً في تأجيج صراع داخلي.

خارطة المنطقة تكشف أن الطائفية داء سرطاني ينتقل من دولة لأخرى ومن جيل إلى آخر، والمطلوب من العلماء والمفكرين والإعلاميين أن يقودوا دفة الحوار والفكر إلى إطفاء هذا التصعب الطائفي النتن. وعلى السياسيين أن يحصروا خلافاتهم وحروبهم في الشأن السياسي فقط، ويبتعدوا عن استخدام الدين والطائفية في أجنداتهم السياسية، ففي النهاية الجميع سوف يدفع ثمناً غالياً لمصالح لا تستحق كل هذه التضحيات.

لا بد أن نتعلم من التاريخ ومن تجارب الغير، فالشعوب التي خسرت ملايين من أبنائها في هذه الحروب، أدركت أنها كات مخطئة، والآن تعيش بسلام وانسجام بين مختلف طوائفها. القضية تتطلب تجاوز المصالح الضيقة، والنظر إلى المستقبل، والابتعاد عن حقن عواطف الناس بالتعصب العاطفي "دعوها فإنها منتنة".

نقلاً عن صحيفة "البيان"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.