.
.
.
.

المشهد القادم

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

يُخطئ من يظن أو يعتقد أن المشهد المصرى الذى يتشكل الآن، من الممكن أن يتشكل بإرادة فوقية من قيادات ونخب سياسية بعيدة عن إرادة الجماهير، صحيح أن الصراح الواضح والمكشوف دوما يكون عند قمم الأهرامات السياسية، إلا أنه بالضرورة يجب أن يكون معبرا ومترجما لرغبات وطلبات جميع المستويات القاعدية، فلا توجد قيادة أو نخبة قادرة، وحدها، على تحديد أولويات الدولة بمعزل عن أى حراك شعبى، وما ألمحه الآن، وأراه متكررا عند الغالبية من القيادات والنخب، أنهم يتحدثون وكأنهم يملكون يقين ملامح وشكل الدولة المصرية الجديدة، والتى ستكون نتاج الاستحقاقين الانتخابيين، الرئاسى والبرلمانى، ولا يعنى، مطلقا، أن التصويت جاء لهذا أو لذاك، أن الجماهير ترغب فيما يقوله هذا أو ذاك، أو أن التصويت، هو تفويض كامل بلا شروط للقادة والنخب، يتصرفون فى مقدرات الدولة على غير رغبة المواطنين.

إذا كان لنا درس من جميع الانتخابات والاستفتاءات السابقة التى شهدتها مصر عبر ثلاثة أعوام، فهو أن التصويت لا يعنى الموافقة على من يفوز بالأصوات، حتى لو تقاطع ذلك مع جميع الأعراف والتقاليد الديمقراطية، فالتصويت غالبا يتم وفق ظروف واشتراطات غير تلك الظروف والاشتراطات التى تعرفها الديمقراطيات العريقة، فالذين اختاروا مجلس شعب ٢٠١٢ هم الذين تظاهروا أمامه بعد أقل من شهر واحد من بدء جلساته، والذين انتخبوا مرسى هم نفسهم الذين عارضوه من أول أسبوع لحكمه ثم تظاهروا واعتصموا أمام قصره، حتى هاجوا وماجوا وطالبوا بعزله، حتى الذين وافقوا على دستور ٢٠١٣، اختاروا أيضا الموافقة على تعديله، وهذا لا يعنى سوى أن استبعاد الناس من تشكيل أى مشهد جديد لن يمر بسلام، ولا يعتقد أحد أنه صار أقوى أو أذكى من الجماهير التى منحته اصواتها.

أشعر أن بعض القيادات والنخب السياسية المصرية، لم تفهم جيدا ما حدث فى يناير ٢٠١١ وما تلاه من أحداث، ولم تدرك أن الثورة غيرت كثيرا من هذا الشعب ومن قوته فى التمسك والمطالبة بحقوقه، وربما كان تعبير ذلك الرجل القادم من جنوب مصر (إحنا خلاص فتٌحنا) كافيا لإدراك التغيير الحاصل عند الجماهير، وربما أيضا يعتقد بعض الساسة والنخب الإعلامية، أن شعارات ٢٥ يناير كانت مجرد شعارات، استهلكتها الجماهير فى تجمعاتها وتظاهراتها، أو شعارات مازالت جماعة الإخوان تبتذلها حتى هذه اللحظة، والحقيقة بعيدا عن الاستخدامات والابتذالات، أن شعارات الثورة كانت مطالب شديدة الجدية من شعب خرج بعدما تعرض كثيرا وطويلا لظلم لن يسمح بتكراره، أى كانت الظروف التى تمر بها البلاد، سواء كانت تبريرات ممارسة الظلم ناتجة عن ضغوط على من يحكم أو حادثة بأفعال من يعارض من يحكم.

تهميش الشعب المصرى من جديد سيصبح أمرا غير مفهوم، ورغبة مجنونة فى عدم استقرار هذا البلد، صحيح أن الظروف صعبة وبالغة التعقيد، لكن حلها ليس أبدا تجاهل الناس وإقصاءهم عن المشهد الجديد، بل يتجلى الحل المثالى لكل ما نعانى منه، أن نترك رسم شكل وتحديد تفاصيل المشهد القادم للناس ولإرادتهم ولطلباتهم، كما أن الحريات باتت ضرورة ملحة يجب تفهمها وتركها لأصحاب الحق الأصيل فى ممارستها، وهى ليست منحة من أحد فهى حق طبيعى كان مغتصبا لسنوات طويلة جدا، والشعب ثار على ما اغتصبته سلطات تعاقبت على حكم مصر، ومن يطلب السلطة الآن عليه فهم ذلك جيدا، كما عليه أيضا فهم أنه سيحكم باسم الشعب وقوته لا بترهيبه ولا باغتصاب حقوقه.

* نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.