.
.
.
.

من جنيف... إلى دبي!

عرفان نظام الدين

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي تعيش أكثر الدول العربية حالة جنون فعلي وضياع شامل وسط بحار من الدماء وركام من الدمار، نجد دولاً أخرى، عربية وأجنبية، تحفر الصخر وتسعى إلى الأفضل وتعمل على بناء مستقبل زاهر وآمن بعيداً من المزايدات والضجيج والخلافات والمناحرات.

لا شيء غير التخطيط السليم والعقل المفكر والأهداف الواضحة والجهد والمثابرة من أجل الوصول إليها بالحكمة والهدوء والتعاون وتنمية المشاعر الوطنية التي تضع مصالح الشعب فوق كل اعتبار، وترسم طريق المستقبل بعد إزالة العراقيل والعقبات وتأمين حياة كريمة للمواطن في ظل الأمن والأمان والاستقرار.

إنه العقل الحكيم الوازن الذي يبني ولا يهدم، ويوحد ولا يفرق ويحاور ولا يناكف، ويسعى إلى الأفضل ويقدم تنازلات من أجل المصلحة العليا ويلغي بواعث الكراهية ويمحو الأحقاد ويتجنب الخلافات، ولا يترك لأي خلاف في الرأي أن يفسد للود قضية.

العقل الذي يعرف جيداً يتعلم من دروسه ودروس الآخرين أن البناء صعب وأن التدمير سهل وكذلك الهدم، البناء يحتاج إلى جهد وعرق ومال ووقت طويل. أما الهدم فلا يحتاج إلا إلى لحظات جنون، وفورة غضب، ودقائق قليلة بل لحظات، وهو مجاني لا يكلف شيئاً في لحظته لكنه يكلف الكثير بعد أن ينجلي الغبار من أرواح الأبرياء وعرق جبينهم ودم قلوبهم وثروات وطنهم ومستقبل أبنائه ونعمة الأمن والأمان والاستقرار والنمو والازدهار.

من هنا، تأتي المقارنة المضحكة - المبكية بين عقل يفكر ويخطط ويد تبني وإرادة وعزيمة تصممان على تحقيق الإنجازات مهما كان الثمن، ومهما طال الزمن، ويد تهدم وتخرب وتشعل نار الفتن وتفجر خلافات وحروباً ومعها الكثير من الأحقاد وتزرع بذور الكراهية التي تحتاج إلى سنين طويلة لمحوها.

مقارنة بين حالتين متناقضتين في ظروف واحدة وزمن واحد وقضايا مشتركة، بل يمكن القول إن مثال البناء للمستقبل أصعب بكثير من مثال هدم الماضي والحاضر والمستقبل، لأن الدول التي تتعرض للدمار كانت تملك كل المقومات اللازمة للنجاح وتحقيق الإنجازات بينما الدول التي تحقق إنجازات البناء بنت صروحاً من العدم، ولم تلجأ إلى بناء قصور فوق الرمال، بل حولت الرمال إلى ذهب وبنت عليها مشاريع راسخة في الأرض وشامخة في السماء.

بل يمكن القول إن هذه المقارنة لا تتعلق بأحداث ما سمي «الربيع العربي» فحسب، بل هي تعود بالزمن إلى عقود خلت حين لجأ بعض الدول والأنظمة إلى البناء على باطل، وما بني على باطل فهو باطل، لأن البنى التحتية الأساسية للمجتمعات لم تقم على أسس متينة، بل عمدت إلى الترقيع والبهرجة والاعتماد على «الماكياج» لإظهار التقدم والتطور، بينما الباطن مختلف تماماً عن الظاهر وفق مثل «من برّا رخام... ومن جوّا سخام»، إضافة إلى الصراعات والفتن والانقلابات والمؤامرات والاستئثار بالحكم والقهر والديكتاتورية واستيراد المبادئ وتطبيقها في شكل خاطئ وألف علة وعلة أخرى توجت بالعقليات الانتحارية لدى معظم الأطراف التي تؤمن وتعمل بمبدأ شمشون «عليّ وعلى أعدائي يا رب»، مع أن الفرق هنا أن «الأعداء المزعومين» هم أهلنا وإخواننا وأبناء شعبنا وليسوا أعداء حقيقيين.

ولن أتحدث عن تجربة اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي أعطت المثل الأكبر في قدرة الشعوب على النهوض من الكبوات والعثرات، بالصبر والإيمان والوطنية والتعاون ومشاركة الجميع في إعادة الإعمار والمثابرة والتضحية من أجل تحقيق الأهداف وتأمين المصالح العليا للوطن ورمي قفاز التحدي في وجه الهزيمة. فقد خرجت هاتان الدولتان من الحرب بخراب شامل: لا دولة فيه ولا سلطة ولا اقتصاد ولا أمن ولا نصير... لكنهما رفضتا الاستسلام، بل بنتا بصمت حجراً فوق حجر وتحاملتا على جراحهما وصبرتا وتخلتا عن الحساسيات وابتعدتا عن الأخذ والرد والدخول في متاهات الصراعات الدولية إلى أن وصلتا إلى ما وصلتا إليه من قوة وسط احترام العالم أجمع واعتراف بهما كأقوى اقتصادين يحسب لهما ألف حساب.

ولن أتحدث عن الصين، ولا عن روسيا والدول الاشتراكية التي تجاوزت الستار الحديد والقيود الشيوعية والاشتراكية وعادت لتفرض وجودها وتحجز لها أمكنة متقدمة في مصاف الدول الكبرى والقوية، كما لا أتحدث عن بعض الدول النامية التي بنت وزرعت وحصدت ثمار الحكمة والعقل والجهد والمثابرة ووحدت صفوفها لتتحول أيضاً إلى قوة اقتصادية فاعلة تمثلت في دول «البريكس» التي تضم البرازيل والهند وروسيا والصين وجنوب أفريقيا.

ما نركز عليه اليوم هو مثال تجربة من الغرب وأخرى من شرقنا التعيس، الأولى عن سويسرا، هذه الدولة الصغيرة التي تفرض وجودها في كل المناسبات وتتحول مع الزمن إلى مركز مالي ومصرفي مهم، وتصبح مع مرور الأيام محطة رئيسة في كل شأن دولي من مراكز الأمم المتحدة إلى مقر المؤتمرات الدولية واجتماعات الحوار في دافوس وغيرها. ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن مؤتمر أو لقاء في جنيف كان من بينها مؤتمر جنيف (5 + 1) مع إيران لحل مسألة الملف النووي، وآخرها مؤتمر «جنيف - 2» المخصص لوضع حد للمأساة السورية.

كل هذا يحصل بلا تضخيم ولا شعارات فارغة ولا تبجح ولا حديث عن انتصارات وهمية، في دولة لا حول لها ولا قوة، اتخذت الحكمة سبيلاً لها واختارت الحياد سياسة ذكية لتجاوز الصراعات الدولية والتركيز على البناء بدقة تفوق دقة الساعات السويسرية الشهيرة التي امتازت بها سويسرا مع الشوكولاته والجبنة والحليب ومشتقاته والمنتجات الفاخرة.

والأهم من كل هذا أن هذا البلد الجميل يعتمد على الحكمة في معالجة شؤونه بتحقيق المشاركة التامة وبناء أسس الديموقراطية الشعبية وفق مبدأ «كل مواطن خفير»، إلى درجة أنك لا تلمح وجوداً للشرطة ولا تسمع عن جيوش جرارة تتفاخر بانتصاراتها على شعبها، ومع هذا تجد الأمن مستتباً وتنسى أنها دولة تضم أعراقاً وطوائف مختلفة، لا سيما بين الألمان والفرنسيين والطليان.

فإضافة إلى النجاحات السياسية والمالية والمصرفية، حققت سويسرا قفزات كبرى في الاقتصاد، وقرأنا أخيراً أن صادراتها سجلت في الربع الثالث من هذه السنة نمواً، على رغم ما قيل عن تواضعه، بلغ 50 بليون فرنك سويسري (55 بليون دولار) فيما وصلت القيمة الكلية للصادرات إلى حوالى 150 بليون فرنك.

أما مثال الشرق وفي العالم العربي، فيأتينا من دولة الإمارات العربية المتحدة التي عملت بهدوء وحكمة تحولت خلال سنوات قليلة إلى أهم مركز مالي واقتصادي في المنطقة وصارت قبلة السياح العرب والأجانب وفتحت المجال أمام الاستثمارات بكل أنواعها، وسط قفزات كبرى عمرانية وإعلامية وثقافية.

والفضل في ذلك يعود إلى حكمة قيادة الإمارات المؤسسة والموحّدة التي اعتمدت الحكمة سبيلاً والتسامح فضيلة والعقل تاجاً على الرؤوس، بدءاً من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبو ظبي، والرئيس الراحل ونائبه حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله اللذين ساهما بهدوء وعقلانية وجهد ومثابرة في إقامة صرح الإمارات القوي ثم خاضا معركة البناء والنمو مع غيرهما من حكام الإمارات وجاء أبناؤهما ليكملوا المسيرة ويشيدوا صروحاً أخرى على أسس سليمة ووفق تعليماتهما ووصاياهما من الرئيس الحالي الشيخ خليفة والشيخ محمد بن زايد وحاكم دبي ورئيس الوزراء الشيخ محمد بن راشد.

وتجربة البناء والإنجازات تحتاج إلى مجلد لشرح أبعادها وتفسير مسيرة الأمن والأمان وقصة النجاح ولكن يكفي الإشارة إلى النجاح الذي تحقق أخيراً باختيار دبي مركزاً للمعرض الدولي (أكسبو 2020) في حدث عالمي ضج به الإعلام.

هذا الإنجاز يكلف 6,8 بليون دولار لإنشاء البنى التحتية واللوجيستية الخاصة، لكنه سيزيد من معدل النمو ويؤمن آلاف فرص العمل ويحقق عائدات تقدر بحوالى 28,8 بليون دولار، إضافة إلى استضافته ملايين السياح والمستثمرين ورجال الأعمال والفوائد الناجمة عن التركيز الإعلامي على الإمارات ودبي.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى السوق الحرة والمدينة الإعلامية والجذب السياحي والنجاح في تجاوز الأزمة المالية التي مرت بها بفضل التصميم والتحدي من أجل البناء لا الهدم وتأمين المستقبل الزاهر للأجيال الصاعدة لا تدمير حاضرها ومستقبلها كما يجري في دول أخرى.

إنها مقارنة صعبة نفرح لها ونسعد لنجاح أشقاء في إنجازاتهم ونحزن لشلال الدم والدموع المسال في أوطان عزيزة على قلوبنا ونتحسر على الدمار الهائل الذي لحق بها بعدما غابت الوطنية وطغت الأنانية وطفت جراثيم الكراهية والأحقاد وانتصرت عقلية العنف والقهر والتفرد ولم يترك أحد للحكمة مكاناً ولا للوسطية موئلاً. وكانت النتيجة أن تحولت كل الأطراف إلى أدوات انتحارية تهوى الهدم وتتفاخر بالقتل. وأخشى أن تستمر الحال على ما هي عليه فتعم الحرائق ولا يبقى غير الدمار والأطلال والرماد.
نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.