.
.
.
.

النفط و"عوار الراس"

يعقوب أحمد الشراح

نشر في: آخر تحديث:

منذ أمد بعيد والحديث يدور حول الاختلالات في القطاع النفطي، والبطء في معالجتها، خصوصاً وأن القطاع المسؤول عن النفط ينبغي أن يكون ذا كفاءة عالية باعتبار أن النفط هو المصدر الوحيد والشريان الحيوي للاقتصاد الوطني، وأن اضطراب العمل فيه يؤدي إلى تداعيات سيئة على كل أجهزة الدولة، بل على حياة الناس الذين يعتمدون على الحكومة في دفع الرواتب والأجور، والصرف على مشاريع التنمية من الأموال والعائدات النفطية بعد بيعها في الأسواق العالمية، فليس هنالك مصدر اقتصادي آخر بديل عن النفط رغم علمنا بأن النفط مورد ناضب لا يستمر مدى الحياة....

أشكال هذه الاختلالات عديدة ومختلفة أبرزها الإدارة والتدريب والتخصص والخبرة وغيرها من عوامل مؤثرة في النهوض بمستويات الأداء العام. لكن الأكثر إزعاجاً تنامي صور الفساد والهدر المالي الذي بدأ يتفشى في السنوات الأخيرة وكان آخرها «قصة الداوكيمكال»، وتهريب الديزل، وغيرها من أمور تستدعي إعادة النظر ومراجعة كافة جوانب القطاع النفطي من دون تدخلات أو ضغوطات تمنع تقويم دوافع تحسين العمل في هذا القطاع....

هناك مجموعة من الحقائق تؤكد شدة الحاجة إلى تطوير جهاز النفط منها تقارير ديوان المحاسبة، ولجان التحقيق في المخالفات، وآراء المختصين التي تشير إلى أن القطاع النفطي يواجه مشكلات عديدة، تستدعي تقويم الواقع ومعالجة مشكلاته، خصوصاً في مجال الهدر المالي والرواتب والمكافآت بطريقة غير عادية ومخالفة للوائح، فما يصرف على العاملين كمكافآت ومزايا لا تحقق المساواة مع نفس مستوى العاملين في الأجهزة الحكومية الأخرى.

ففي مجال الأجور مثلاً يصل متوسط الأجر الشهري للعامل في القطاع الحكومي حوالي (1287) دينارا بينما في القطاع النفطي يكون حوالي (5476) دينارا، أما القياديون في القطاع النفطي فأجورهم تفوق كثيراً القيادين في الأجهزة الحكومية الأخرى.. ويقال إن المبلغ الذي يتقاضاه القيادي يتعدى نصف المليون دينار عند نهاية الخدمة عدا البونص السنوي!!

وعندما نقيم المردودات المالية من الاستثمار في القطاع النفطي فإننا نحتل المرتبة المتدنية على سلم الاستثمار بالنسبة للدول المصدرة للنفط رغم العلم بأن حجم الأرباح أو الاستثمار النفطي في صوره المختلفة من مشتقات بترولية وغيرها تشكل عائدات مالية تساهم ليس في نهضة الدولة فقط، وإنما في ضمان مستقبل أجياله. أما في ميدان الصناعة النفطية فإننا مازلنا لا نستفيد شيئاً من تلك الصناعات العديدة التي تقوم عليها الاقتصاديات العالمية. هناك تحديات مختلفة تتطلب عقولا مبدعة لتتخلص من البيروقراطية وغياب الاستراتيجية البعيدة المدى والتي تحوّل الاقتصاد الناتج من بيع النفط إلى اقتصاد يعتمد على القوى العاملة والصناعات البديلة التي تفيد تنمية الدولة في المستقبل. فهناك على سبيل المثال مشروعات عملاقة في مجال الطاقة والبيئة ولا دور لنا فيها، كما أننا لا نملك حتى خططا طارئة أو بديلة عن بيع النفط في حال حدوث أزمات دولية أو متغيرات تطول قطاع النفط أو الصناعات القائمة عليه.

هذا في الوقت الذي يؤكد فيه الخبراء ضرورة تطوير الصناعات النفطية، ومكامن النفط الثقيل في حقول الشمال، وتطوير الغاز الحر، وإدخال التكنولوجيا الحديثة وغيرها من وسائل حيوية لا يمكن مواجهتها أو العمل بها في ظل الأنظمة الحالية المتبعة في القطاع النفطي، والتي، كما يلاحظ، يتميز بالأرقام الفلكية للرواتب والمكآفات.

إن محاسبة الحكومة عن تردي أوضاع النفط شأن نيابي ينبغي تحريك المساءلة في حال الاستمرار في هدر الأموال على الرواتب والمكافآت وغياب الاستراتيجية النفطية البعيدة المدى التي تستلزم خططاً آمنة وعاجلة لإحداث نقلة نوعية في القطاع النفطي تركز على الاقتصاديات البديلة التي تؤمن حياة مستقبلية أكثر استقراراً وتقدماً.

*نقلاً عن "الرأي" الكويتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.