مثقفون وسلطة

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

طوال القرن الماضى كانت هناك مشكلة دائمة بين جماعة المثقفين والسلطة بجميع أشكالها وأنواعها، واستقر الحال، على أن السلطة تهدف للاستقرار والثبات، بينما يعمل المثقفون على التغيير وانتقاد السلطة، أو ما تعتقده السلطة زعزعة لاستقرارها، لذا كانوا فى خصام دائم، وكان المثقف ضيفا ثقيلا على أى سلطة، وربما عبر الرئيس الراحل السادات عن المثقفين بدقة، فى وصفه الشهير لهم بالأراذل، حيث كان يرى أن «رذالاتهم» لا تتوقف تجاه السلطة وتتعداها لتصيب أنفسهم، أما فى مطلع القرن الحالى فقد انقلب الحال إلى حد ما، حيث تمت عمليات تدجين لعدد كبير من المثقفين، ودخلوا «حظيرة الدولة» وفقا للمقولة الشهيرة التى كانت تتداول سرا، ثم صارت عنوانا للعقد الماضى، وهى التهمة التى التصقت بوزير الثقافة التاريخى فاروق حسنى، هذا لا يعنى أن كل المثقفين كانوا داخل الحظيرة، بل على العكس نسبة لا بأس منهم استمرت فى ممارسة «رذالاتها» على السلطة، لكن المشهد العام كان يتسم بدعم المثقفين لسلطة مستبدة أضرت كثيرا بصورة ومركز المثقفين فى المجال العام.
لذا كانت قضية الحريات فى مقدمة القضايا التى انشغل بها بها الجميع فى أعقاب تنحى مبارك، فى ظل توقعات ضخمة بفتح جميع الأبواب الموصدة أمام الحريات، لكن الأمور تعقدت أكثر ودخلت منعطفات لم يتوقعها أحد، خصوصا فى ظل هيمنة لتيارات ظلامية، أرادت فرض أفكارها عنوة، ليدخل المثقفون معركة حقيقية تجاه ما لم يكن يتوقعوه من الثورة، والتى شهدت ذروتها مع وزير الثقافة الأخير فى عهد مرسى، إلا أنه بعد رحيل الإخوان، وهذا هو المدهش، تعرضت الحريات العامة لعثرات كبرى وعقبات ضخمة، دون أن نجد ردة فعل موازية من جماعة المثقفين، بل فى بعض الأحيان، كان المثقفون أنفسهم وقود وأد الحريات ودحرها دون أن يرمش لهم جفن، دون أن نغفل أن بعض المثقفين نجحوا فى صياغات جيدة لمواد الثقافة فى تعديلات دستور ٢٠١٢.
ما يحدث حاليا حيال تجاه قضايا الحريات، يستوجب وقفة حقيقية من مثقفى مصر، مع تصاعد حدة الاشتباكات حول القضايا الجوهرية التى تعيشها البلاد، وفى ظل ما نلمحه من ممارسات قمعية لا تصدر من مثقفين، ممارسات تدور فى جميع الاتجاهات، مع عمليات تخوين واسعة للجميع، دون أن يشجب أحد كل ذلك، وأكاد لا أصدق أحيانا اللغة التى يستخدمها البعض فى هذه المعارك والاشتباكات، والغريب أنهم جميعا يتحدثون عن الحريات ويقولون إنهم يدافعون عنها ويفعلون ما يفعلون من أجلها.
وقد اندهشت كثيرا، لموقف جماعة من المثقفين ضد ترشيح اسم الدكتور أسامة الغزالى حرب لموقع وزير الثقافة، وأكثر ما أدهشنى حقا وصف الدكتور أسامة بأنه غير مثقف، وسط استنكارات واسعة بعلاقته بالثقافة، وهو موقف يعكس عدم وجود إيمان حقيقى بقضايا الحريات والانحياز إلى القهر حتى داخل الجماعة الواحدة، إلى جانب غياب كامل لجميع القيم الثقافية، سواء فى مناقشة ما يختلفون معه أو اتخاذ مواقف حول ما يرفضونه، والقضية ليست فى اسم الدكتور أسامة الغزالى حرب، ولا فى مدى ملاءمته لشغل منصب وزير الثقافة، بل فى الحالة المزاجية العامة التى تعيشها مصر، وكنا نعتقد أن المثقفين بعيدين عن ذلك، فوجدناهم فى مقدمة صفوف من يصنعون الإرهاب الفكرى، ولا أعتقد أن الدكتور حرب، فى ظل هذا المناخ سيصبح وزيرا للثقافة، وبعدها لن يصبح من حق البعض الشكوى من الإرهاب الفكرى، ولا أن نتعلل بقمع السلطة للحريات.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.