.
.
.
.

أوكرانيا.. الحرية ثمنها الدم!

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:

«أوكرانيا» ليست همَّاً عربياً وسط هموم أكبر، لكنها حدث عالمي نتأثر به سلباً وإيجاباً، وإن كانت حروب القوى الكبرى غير واردة، إلا أن روسيا وحلف الأطلسي في حال تنازع وتنافر، وإن جمعتهما فلسفة الرأسمالية والعولمة، إلا أن الإطار السياسي مختلف، والنظام الروسي يزعم أنه ديمقراطي ولكنه أشبه بالشمولي الموجّه من قبل سلطة مركزية تتداول الحكم من منظور الاحتكار لا الانفتاح..

كلا الرئيسين، أوباما الذي يتضاعف حجم بلده الاقتصادي والعسكري والتأثير العالمي يحتاج لأن يكون رجل مرحلة جديدة لكنه لا يريد لبلاده أن تغرق في الحروب والخسائر المادية والبشرية التي أثرت بشكل خاص، في دورتها الاقتصادية، وكشفت عن أن تلك الممارسات عبثية ضاعفت من استنزافها ونشر عداواتها، وبالتالي فأزمة أوكرانيا ستبقى سياسية بضغط اقتصادي على روسيا، لكن الأخيرة هي المزود الرئيسي لأوروبا بالغاز والبترول، والدائن الأكبر لأوكرانيا، ومن هنا فكل طرف يريد اللعب بأوراقه بالتدرج بحيث يكون الطريق للمفاوضات قبل اتخاذ العقوبات، لكن الموقف مختلف بين الروس والأمريكان..

فروسيا تعتبر هذا الجوار مع بلد مهمّ لها استراتيجياً وتاريخياً لا تريد أن يعوض بجوار أوروبي وأطلسي لتدخل أوكرانيا حظيرة الاتحاد الأوروبي وسوقه، ومن ثم قاعدة عسكرية واقتصادية، ووجود نظام ديمقراطي فيها قد يُلهب جمهوريات روسيا للمطالبة بالمثل، وبوتين مثل أوباما يحتاج لأن يكون رقماً صعباً تجاه المواقف السيادية والاستراتيجية، وعملية مسارعته التدخل في القرم، لا تعد اختبار نوايا لرد الفعل الأمريكي - الأوروبي، لأنه يفهم أنهما عاجزان عن خلق رد فعل عسكري يطوق أوكرانيا أو التدخل فيها، بل ستكون الخطوات هي الاتجاه إلى العمل السياسي فقط، ولا يوصف هذا تأخراً بأداء واجب تجاه دولة أوروبية مجاورة، ولكن لأن الروس قد يذهبون إلى آخر نقطة تهدد الأمن والسلم العالميين، أو يكررون ما حدث في جورجيا بتقسيم أوكرانيا؛ لأن مواطني الأخيرة استفزوا الروس باقتلاع كل أثر لهم، باستعمال لغتهم بديلاً عن الروسية وتهديم تماثيل روسية أو من مخلفات الاتحاد السوفياتي، والاعتداء على جاليات روسية ما جعل البرلمان الروسي يعطي الحق بإطلاق يد بوتين بأي عمل بما فيه العمل العسكري..

الجوارات المعقدة بين دولة كبرى وصغرى، كادت أن تفجر حرباً عالمية ثالثة عندما نصب الاتحاد السوفياتي صواريخه النووية في كوبا، ولا تشعر الصين بالراحة أمام تايوان المحمية من الغرب، ولا الكوريتان المنقسمتان بين عقيدتين وولاءين، وكذلك الهند مع باكستان أو حتى مع سري لانكا باعتبارها محور أمانها..

الدول الكبرى تسعى للاحتواء بأي أسلوب يتخذ المرونة في العلاقات أو فرض السياسات، حتى إن المكسيك لا تشعر أنها دولة أمريكية شمالية عندما تكون ملحقاً لحكومة واشنطن، وهذا ينطبق على الحالة الأوكرانية، فرغم تطلع شعبها لأن يعيش الأمان والتنمية والاستقلال وحرية التصرف في شؤونه، نجد روسيا تكبلها بكل العوائق التي تجعلها تابعاً لها، إلا أن الانتفاضات والاحتجاجات وضعتها في مأزق سياسي وعسكري، ومن هنا جاء التحول من الحوار مع أوكرانيا والمحافظة على وحدتها الوطنية، إلى التشدد في المواقف، وبلا مبالاة من مواقف الدول الأخرى.

تجربة جورجيا، ثم أوكرانيا مع روسيا وخاصة وجود جاليات للدولة العظمى، هل تفتح أذهان الدول الخليجية العربية الغارقة في المشكل «الديموغرافي» وتواجد الآلاف من الآسيويين الذين طغى تواجدهم على نسب السكان الأصليين؟

وهل سيجدون أنفسهم أمام مآزق التدخل الخارجي باسم جالياتهم والدفاع عنها، وماذا عن المستقبل وتداعياته إذا كانت هذه الجاليات رموزاً مشابهة لأوكرانيا؟!

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.