.
.
.
.

امتحان بوتين

أمين قمورية

نشر في: آخر تحديث:

لاميركا نحو الف قاعدة عسكرية منتشرة في 130 دولة في ارجاء العالم. ومع ذلك فان صدر واشنطن يضيق بقاعدتين عسكريتين فقط لا تزال روسيا تحتفظ بهما خارج حدودها، الاولى في ميناء طرطوس على البحر المتوسط والثانية في ميناء سيباستوبول على البحر الاسود. الوجود الروسي في الميناء السوري مهدد بحرب لم تصل الى خواتيمها بعد، والوجود المماثل في الميناء القرمي مهدد بما هو اسوأ.

البحرية الروسية تتخذ القرم مقرا منذ قرابة 200 سنة، في حين لايزيد عمر اقدم القواعد الاميركية خلف الحدود عن عمر انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، يهدد البيت الابيض ويتوعد الكرملين بالويل والثبور اذا "انتهكت" روسيا سيادة اراضي القرم التي قدمتها العاصمة السوفياتية موسكو هدية الى كييف، العاصمة الروسية السابقة، عربون صداقة بين الشعبين الروسي والاوكراني.

واشنطن، التي سجلت في العقود الثلاثة الاخيرة رقما قياسيا، في عمليات التدخل العسكري في اراضي الدول المستقلة، صارت حريصة على المواثيق الدولية، فمن يصدق هذه اللهفة المفاجئة على مشاعر الشعوب السلافية وهذه الدموع الحارة على وحدة الاراضي الاوكرانية؟

أي قارىء للتاريخ يعلم ان القرم بالنسبة الى روسيا، ليست مجرد مرفأ استراتيجي على المياه الدافئة او موطن لجالية روسية خارج الحدود، بل هي جزء من روسيا ومن تاريخ شعبها، هي ككركوك بالنسبة الى الاكراد وكساقية الحمراء ووادي الذهب بالنسبة الى المغرب. على شواطئها والجبال سالت دماء روسية كثيرة في مواجهة التتار والعثمانيين، هي ابرة المؤشر لتوسع روسيا او انحسارها. واي قارىء للمستقبل يعرف ان اخراج روسيا من القرم بعد كييف، هو بمثابة وضع القضبان لحبس موسكو خلف الاسوار الحمر للكرملين. يالطا القرمية كانت رمزا لجعل الاتحاد السوفياتي قطبا دوليا، فهل يمكن بوتين أن يرضى بهزيمة مذلة في يالطا الاوكرانية تضع روسيا الكبرى الى جانب الاتحاد السوفياتي في متحف التاريخ؟ وهل يمكن القيصر بعد ذلك ان يجنب بيلاروسيا او الشيشان وداغستان مصيراً مشابهً لمصير اوكرانيا؟

القبول بنتيجة الانقلاب الاوكراني يمثل نهاية مأسوية لحلم القيصر، اما رفضه فقد يكون حريقا في المدى الاوراسي كله. بوتين بين خيارات صعبة. استثارة حق الاقليات الروسية خارج الحدود في تقرير مصيرها، مثلما حصل في اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الجورجيتين، قد يرد الى موسكو بعض هيبتها، لكنه قد يدغدغ مشاعر الاقليات غير الروسية في الداخل للانفصال عن الاتحاد بالحق نفسه.

بوتين الذي اظهر في سني حكمه انه لا يحب الخسارة، يمتحن اليوم عند عتبة بيته. فهل ينسحب من النزال ام يعتبر الامتحان تحديا وجوديا له ولروسيا الكبرى يستحق المجازفة أياً يكن الثمن؟

نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.