.
.
.
.

لماذا يفعل بوتين هذا؟!

صالح القلاب

نشر في: آخر تحديث:

ربما أنَّ من حق فلاديمير بوتين أنْ يلعب في ساحته كما يشاء وأن يُعرِّض منطقته للمفاجآت وعاديات الزمن وأن يدفع أوروبا كلها إلى حرب ساخنة وليس باردة وأن تأخذه العزة بالإثم وأن يكرس جهده وجهد روسيا الإتحادية لِلَّعبِ بالنيران وإنتاج الأسلحة والصواريخ والدبابات بدلاً من إنتاج القمح وأرغفة الخبز للجوعى والذين ينامون على الأرصفة وسط هذا الزمهرير الكوني الذي يجتاح العالم بأسره.

لكن ليس من حقِّ هذا الستالين الصغير ،الذي سيكتشف وستكشف له الأيام أنه يلعب ورقة خاسرة، أنْ يثبت وجوده على رقعة لعبة الشطرنج الدولية وأن يحاول إستعادة ولو بعض أمجاد الإتحاد السوفياتي الغابر من خلال ذبح الشعب السوري ومن خلال تدمير دولة هي أول دولة عربية انفتحت على موسكو وأقامت علاقات متعددة المسارب مع الدولة السوفياتية وكان ذلك في عام 1949 عندما كانت الشيوعية تعتبر في هذه المنطقة شيطاناً رجيماً وعندما كانت الولايات المتحدة على أساس أنها الدولة الأكثر إنتصاراً في الحرب العالمية الثانية قد بدأت تحل محل الإستعمار القديم وبخاصة في هذه المنطقة الإستراتيجية الحساسة.

لقد كان بإمكان روسيا أن تسعى لوقف نزيف الدماء في سوريا وأن تحافظ على علاقاتها الراسخة القديمة مع الشعب السوري وليس على علاقاتها مع نظام إستبدادي محكوم عليه بالزوال والنهاية الحتمية مهما طال ومهما تجبر وتكبر وارتكب من موبقات إنسانية وجرائم لكنها في حقيقة الأمر لم تحاول حتى مجرد المحاولة أن تفعل هذا ولكنها بادرت إلى أن تكون خصماً بدل أنْ تكون وسيطاً وحكماً فرمت بكل ثقلها العسكري والسياسي والمالي إلى جانب نظام ها أنَّ حربه على شعبه قد دخلت عامها الرابع بينما هو يزداد إصراراً بدعم هذا الثنائي فلاديمير بوتين وسيرغي لافروف على مواصلة المجازر ومعالجة الدمار بالمزيد من الدمار والقتل بالمزيد من القتل.

هلْ لعبة الأمم الجديدة هذه تقتضي أن يجعل فلاديمير بوتين من جماجم السوريين وعظام أطفالهم ودمائهم مداميك لـ»إمبرياليةٍ» جديدة.. في زمن غروب الإمبرياليات وزوالها ورحيلها وهل وصل الإستهتار بهذا القيصر الروسي الصغير أن يُمعن بعيداً في العناد والتكبر وأنْ يحول القضية السورية بعد قتل عشرات الألوف وبعد ملايين المهجرين والمشردين والمفقودين إلى مجرد فرق حسابات بينه وبين الولايات المتحدة والدول الغربية.. لقد تجاوزت روسيا كل الحدود وهي بما بقيت تفعله خلال ثلاثة أعوام ،كانت مسيرة قتل وذبح وسجون ومعتقلات وتشريد وويلات، قد أسست لحرب طائفية قد تتواصل وقد تستمر لثلاثين عاماً وأكثر وقد تنتهي بـ»التقسيم» الذي يبدو أن الرئيس الروسي يريده ويسعى إليه ،كما هو يسعى الآن لتقسيم أوكرانيا، ليضمن وجوداً إمبراطورياً لدولته على سواحل البحر الأبيض المتوسط الشمالية الشرقية.

الآن معظم أهل هذه المنطقة ،التي ستبقى مجالاً حيوياً إستراتيجياً لروسيا، ينظرون إلى فلاديمير بوتين على أنه هو القاتل وليس هذا النظام السوري ورموزه وأنه من أجل المزيد من سفك دماء أبناء هذا البلد العربي بقي يعطل مجلس الأمن الدولي ويمنعه من القيام بأدنى واجباته وبقي يستخدم جماجم الأطفال السوريين ككرات في ملعب تصفية الحسابات النهائية مع الولايات المتحدة ومع الغرب الأوروبي وهو بقي لا يعنيه كل هذه الدماء التي تسيل في سوريا بقدر ما يعنيه تسجيل نقاط له ولبلده في لعبة منْ له أرقام أهم وأكثر في المعادلة الكونية.

إن هذا البلد ،روسيا، قد حوله بوتين ،بمغامراته وبنزعته الستالينية، إلى بلد عدوٍّ للعرب كلهم وحوله إلى إمبريالية جديدة لا تهمها إلا مصالحها ولذلك فإننا نجد أن هناك صمتاً مريباً من قبل المعارضة الروسية على كل هذا الذي يفعله الرئيس الروسي في سوريا وكل هذا الذي يفعله في أوروبا.. وهنا ومرة أخرى ألا يشبه هذا كله ما كان فعله أدولف هيتلر عندما دفع العالم ،بتصرفاته الطائشة وبإستهتاره بحدود الدول وجغرافياتها، إلى محرقة دولية ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر كلهم من الناس الأبرياء الذين تحولوا إلى وقودٍ لنزوات طائشة وتطلعات توسعية وتمددية خلف حدود الدول المجاورة والبعيدة.

نقلاً عن صحيفة "الرأي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.