.
.
.
.

الاعتماد على الغرب رهان فاشل

رندة تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:

منذ ثلاث سنوات وسفك الدماء في سورية يزداد والنظام السوري مستمر في قتل شعبه وقمعه وتهجيره بدعم أساسي من فلاديمير بوتين والنظام الإيراني و «حزب الله». واليوم، وبعد إعلان استقلال القرم وانضمامها قريباً إلى روسيا، هناك واقع مخيب للأمل يتلخص بعنوان صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية حول القرم «أوروبا تنبح وبوتين يمضي قدماً». ومداخلة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أمس على إذاعة «أوروبا ١» عكست هذا العجز الأوروبي والغربي أمام ما يفعله بوتين في العالم، فقد سأل الصحافي الفرنسي المعروف جان بيار ألكاباش، فابيوس إن كانت فرنسا ستلغي أو تؤجل الاجتماع الثنائي الذي كان متوقعاً مع روسيا في إطار اللجنة المشتركة بين البلدين، فأجاب أنها ستؤجله حالياً. ثم سئل عن بيع فرنسا سفينتين حربيتين من طراز «ميسترال» إلى روسيا بمبلغ ١.٧ بليون دولار في إطار عقد تم توقيعه في ١٧ حزيران (يونيو) ٢٠١١، فردّ فابيوس بتردد أن القرار لم يتم اتخاذه بعد. إلا أن روسيا دفعت قسطاً من التمويل، إضافة إلى أن بناء السفينتين يمثل خمسة ملايين ساعة عمل لعمال فرنسا ويوظف ألف شخص خلال أربع سنوات. أما بالنسبة لردة فعل الولايات المتحدة، فظهر أول من أمس الرئيس أوباما ليخبرنا أنه وضع عقوبات على تنقل شخصيات روسية مرتبطة ببوتين وحساباتها، وتبعه الاتحاد الأوروبي بإعلانه عن عقوبات على عدد من الشخصيات الروسية.

إن الفشل الذريع الذي شهدته أوروبا والولايات المتحدة إزاء أزمة القرم وأوكرانيا سببه أن بوتين فرض نفوذه على رئيس أميركي تخلى عن دور القوة العظمى للولايات المتحدة، ليس فقط برغبته في الانسحابات العسكرية من العراق وأفغانستان، ولكن في تراجعه في مواقفه الدولية. فواقع الحال أن أوباما فضل التعاون مع بوتين حول سورية وترك وزير الخارجية جون كيري يدخل مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في حوار عقيم حول سورية، معتقداً أن بإمكانه إقناعه حول ضرورة رحيل الأسد من السلطة. لكن التعاون الأميركي كان تراجع مع استخدام تهديدات بخطوط حمر وغيرها لم تكن فاعلة حتى فشل مؤتمر جنيف حول سورية. والآن اشتدت الحدة بين الولايات المتحدة وروسيا، ما سيعزز الدعم الروسي لنظام الأسد. وأزمة أوكرانيا أظهرت غياب استراتيجية أوروبية وانقسامها بسبب اختلاف مصالحها، فألمانيا المعتمدة كلياً على استيراد الطاقة من غاز ونفط روسي، حاولت الحوار مع بوتين وفشلت. أما باريس ولندن ففشلتا أيضاً. وماذا بعد الآن؟ أولاً مسكين الشعب السوري الذي هجّره نظام قاتل لم يكن واقفاً اليوم لو لم يدعمه بوتين وخامنئي. والثوار السوريون سيستمرون في معركتهم طالما بقي الأسد في السلطة، ما يعني أن القتال سيستمر ولن يكون هناك حل. والقول إن النظام هو الغالب بعد ثلاث سنوات من الثورة السورية خطأ في التقدير. لأن نظاماً يسيطر على بعض المدن في البلد الذي دمره لا يمكن أن يصمد ويعود كالسابق، خصوصاً أنه فقد استقلاليته إزاء روسيا وإيران وحتى «حزب الله»، فالإرهاب منتشر وعدد الضحايا سيزداد. والقناعة الفرنسية التي عبر عنها الرئيس فرنسوا هولاند أن قلب ميزان القوى لصالح الثوار السوريين كان يمكن أن يغير الأمور ويفرض الحل، ولكن لسوء الحظ كان هولاند يوصي بذلك فقط. بريطانيا تذرعت ببرلمانها وأوباما بتعاونه مع بوتين. ثم قدم أوباما لصديقه هولاند جائزة ترضية بدعوته إلى زيارة دولة لواشنطن أرادها الجانب الأميركي برّاقة وهلل لها الجانب الفرنسي، لكن بريقها كان في الظاهر وليس في المضمون، فلم تسفر عن أي نتيجة عملية بالنسبة للملفات الساخنة مثل سورية.

إدارة أوباما للملفات الدولية ستبقى في التاريخ الأميركي تحول الدولة الكبرى القوية إلى نفوذ عالمي مقتصر على قوة وضخامة اقتصادها مع تراجع نفوذها السياسي وتأثيرها في الصراعات، فلا أوروبا موجودة وقادرة، واعتماد المعارضة السورية الباسلة والثوار الحقيقيين على الأرض ينبغي أن يكون على وطنيتهم وقناعتهم بضرورة تخليص بلدهم من نظام مجرم مثلما أخرجت عقيدة الفيتناميين الجنود الأميركيين من بلدهم. إن أفضل ما يحصل للثوار السوريين أن يتعلموا من «حزب الله» في حربه مع إسرائيل عام ٢٠٠٦، عندما كانت إسرائيل تضرب بطائراتها ومدفعيتها (على غرار ما يفعله النظام السوري الآن ولكن بسلاح وتدريب روسيين وإيرانيين) وكان الحزب يختبئ ويجعل الحرب الإسرائيلية مع المجهول، فكم رأينا جنوداً إسرائيليين يقولون للإعلام الغربي حينئذ إنهم يخوضون حرباً مع مجهولين. والآن سقوط يبرود لا يعني النهاية، لأنها كانت أفرغت قبل تقدم الجيش السوري و «حزب الله» وانسحب منها الثوار.

الثورة لن تخمد في سورية، والنظام ماض قدماً في تدمير بلده وحرقه في سبيل بقائه، لكن البقاء في مثل هذه الظروف هو جحيمه.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.