.
.
.
.

هذا مشهدنا.. وهذه صورتنا!

يوسف الكويليت

نشر في: آخر تحديث:

في أفريقيا وبعض مناطق العالم فقر ومرض وبؤس وجهل، غير أنها متعايشة مع أوضاعها بحكم الواقع، مقابل أباطرة مال وقوة وتسلط واحتكار واستغلال لثروات الشعوب، وجعلهم مثل فئران الأنابيب في المعامل تجرى عليهم التجارب المخبرية، وتدمر بيئاتهم، والمعادلة مختلة منذ وجد الإنسان على هذا الكوكب، لكن هناك أمماً وشعوباً كسرت الحواجز وخرجت من أسوارها العازلة، أو المفروض عليها، إلى الصحوة من غفوتها الطويلة، للدخول لمرحلة التحدي ثم الفوز بالعلامة الكاملة في حافز التطور ودخول السباق مع العالم المعاصر بتفوق غير متوقع..

الأمة العربية كانت بفقرها وأميتها أكثر سعادة وتجانساً وما سميناه مرحلة الانحطاط والتخلف والدروشة، ثم الاحتلال من قوى خارجية، لتنشأ بداية مرحلة بذور المقاومة والاستقلال، غير أن ما سميناه تحرراً، لم يجلب التعويض بنقلة تصل الحاضر بالماضي وفق خطة عمل تضعنا أمام التحديات التي خاضتها شعوب أخرى، واستطاعت تجاوزها بعمل مؤسسي وخطط طويلة، والأسباب أن من يسمون جيل ما بعد الاستعمار أو الاحتلال، لم يكن لديهم تصور جذري للحاضر والمستقبل، لأن معظم من وصلوا إلى السلطة كانوا يريدون إعادة نفس النظام العربي للمرحلتين الأموية والعباسية، بحيث يكون الرئيس أو الزعيم والقائد، هو البديل عن أمير المؤمنين، وبدلاً من تسابق الشعراء على بابه، ومنحهم جوائزه، جاء الصحفي والكاتب والمذيع، ليكون المروج والداعية، وتبدل جيش الفتوحات، إلى جيش الانقلابات، وبيت المال إلى وزارات الاقتصاد والمالية والنقد، لتعلن التأميم والمصادرة، ودخلنا الزفة الطويلة بمن هو الحر والعبد في التبعية للشرق والغرب، فجاء المارش العسكري تعويضاً عن الموسيقى والأغنية العاطفية، والأديب مبشراً بالواقعية الاشتراكية، واعتبار العودة للتراث رجعية جديدة تعيد قوالب الماضي، وطال الاستلاب شخصية المواطن الذي دجّن ليكون مجرد بوق يردد لمن يلقنونه شعارات سياسية لتحرير الفقراء والعمال كبديل عن الرأسمالية والإقطاع، وحتى الحرية في زمن التحرر يجب أن تؤجل لأننا في حالة حرب مع العدو المتغلغل في مفاصلنا ما بعد الاستعمار، ثم ربيبته إسرائيل، وترددت على الأسماع نشيد "إذا الشعب يوماً.. إلخ"، "ومن المحيط الهادر إلى الخليج الثائر"، و"أخي جاوز الظالمون المدى"!!

وفي كل الأحوال امتدت الغفوة طويلاً، وفي سدرة الحلم فوجئنا بالهزائم من إسرائيل، ووقتها قيل إن السلاح السوفيتي السبب، وخرج آخرون بأن الفارق الحضاري والعلمي بين إسرائيل والعرب سبب آخر، وكالعادة سقطت حكومات، وأعيدت أخرى لكن بنفس السيناريوهات..

المواطن العربي الذي ظل سعيداً بجهله، آفاق منه، ولكن بعنفوان آخر، فقد عادت دول الطوائف بالحروب التي تذبح على الهوية والمذهب، فكان الجميع ضحايا الواقع الجديد من أصحاب الأديان والأقليات، وحتى أصحاب المذهب والعقيدة الواحدة تقاتلوا بمبدأ التخوين والتكفير، ومن يرى الواقع لا يصدم فقط بحلمه القديم، وإنما بعجزه عن تفسير ظاهرة العربي الجديد، وكيف تحول إلى وحش بثياب إنسان، ولا يوجد تعليل لهذا الواقع إلاّ أننا شعب ينزف، ويقدم أجياله لمحارق أخرى، ولعل صورة الوجبات الثلاث في الصباح، والظهر والمساء للمشهد الدموي اليومي، ستحولنا إلى قطيع غابة بشرية متوحشة لمشهد العار أمام إنسان الحضارة والثقافة والعلم، لجماعات انشطرت، واستحالته إعادة شظاياها ونيرانها.

*نقلاً عن "الرياض" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.