.
.
.
.

ما الذي ينتظر أوباما في السعودية؟

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

تتجه جميع الأنظار صوب الرياض التي سيزورها الرئيس الأمريكي باراك أوباما لالتقاء القيادة السعودية يوم الجمعة 28 مارس الجاري.
ولا عجب في ذلك، حيث إن هذا اللقاء الذي طال انتظاره يأتي في وقت يمكن اعتباره الأكثر تعقيدا في تاريخ "العلاقات المميزة" بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية طوال سبعة عقود، وربما منذ اللقاء التاريخي بين الملك المؤسس الراحل عبد العزيز والرئيس فرانكلين روزفيلت.

وتماما كما جاء ذلك اللقاء التاريخي عام 1945 عشية تشكل نظام عالمي جديد (مع نهاية الحرب العالمية الثانية) ، وساهم التحالف السعودي- الامريكي المستجد آنذاك في الحفاظ على مصالح البلدين حيث ضمنت الولايات المتحدة تدفقا مستمرا للنفط إليها بينما حصلت المملكة على ضمانات أمنية من القوة العظمى الجديدة، فإن اللقاء المرتقب يوم الجمعة يأتي في زمن لا يقل أهمية عن سابقه، ليس للدولتين فحسب بل للمنطقة بأسرها.

قائمة من القضايا

السعوديون قلقون من طريقة إدارة أوباما لعدد من ملفات المنطقة، وتحديدا إيران وسوريا ومصر.

ولعل جوهر المشكلة هو هذا الإعجاب المستجد من جانب سيد البيت الأبيض بإيران، الدولة التي يحكمها نظام مُصدر للمشاكل، لا للسعودية فحسب بل لكل حلفاء أمريكا الآخرين في المنطقة.

وما يزيد الأمور صعوبة هو الاعتقاد الراسخ بأن الرئيس أوباما، الذي كان يتمتع بشعبية جارفة في سنواته الأولى، قد أخطأ بشكل كبير في ما يتعلق بنهج التعامل مع إيران.

وما ساهم في ترسيخ هذا الاعتقاد السائد هو ما قاله أوباما في مقابلة حديثة مع الإعلامي جيفري جولدبرغ ، حيث إنه ردا على سؤال حول «مَن يراه أكثر خطرا التطرف السنّي أم الشيعي؟»، اعتبر أوباما أن إيران "استراتيجية" و"ليست عاطفية"، ولها نظرة عالمية، وتقدر مصالحها؛ وتحسب الربح والخسارة!

ولعل أفضل تعليق حول رد أوباما جاء بقلم الكاتب المخضرم عبدالرحمن الراشد، الذي كتب في مقالة حديثة إن هذه الصفات يمكن أن تنطبق ايضا على اشخاص من أمثال هتلر وصدام حسين وكيم جونغ اون.

بعبارة أخرى فإنه لا يهم مدى التفكير الاستراتيجي وعدم التهور لدى أي حكومة إذا كانت ترضخ لمجموعة من المتطرفين، وهذا هو الفارق الرئيسي بين المتطرفين السنة والشيعة في المنطقة، وهو ما أشار إليه الراشد في مقالته حين قال "إن المتطرفين الشيعة هم في سدة الحكم، أي نظام خامنئي في طهران، وحزب الله في بيروت. أما متطرفو السنّة هم في المعارضة، مثل «القاعدة»، منبوذون يعيشون في الكهوف".

تاريخ من العدوان

على الرئيس أوباما أن يتذكر كل الجرائم التي ارتكبتها إيران ضد الأمريكيين ومصالحهم، ابتداء من أزمة الرهائن في عام 1979 الى الهجوم على مقر مشاة البحرية الامريكية في بيروت في عام 1983، واختطاف العقيد الامريكي والهجوم على المقر الامريكي في الخبر في عام 1996.

ولعل عليه أن يتذكر ايضا أن قوات الأمن السعودية هي التي كانت تقاتل جنبا الى جنب مع الأمريكيين في الحرب العالمية ضد الارهاب. وعليه أن يتذكر ايضا ان ايران هي التي سعت الى زعزعة استقرار العراق بعد الإطاحة بصدام حسين وان حزب الله والحرس الثوري الإيراني يقاتلون الى جانب قوات نظام الأسد المجرم في سوريا.

كما أن إيران تدعم الاضطرابات في كل من لبنان والبحرين، وأنها ما زالت تحتل الجزر الإماراتية الثلاث.

وعليه فإن النظرة الامريكية الى هذه المواضيع كلها ومحاولة اختزالها او التغاضي عنها لمجرد التفاوض على طموحات ايران النووية، استراتيجية تبعث على القلق، خصوصا عندما يطلع المرء على رأي أوباما الصريح حول هذه المخاوف.

ففي مقابلته مع جولدبرج يضيف أوباما: "لنفترض أن إيران لا ترغب في ان تتغير. إنها دولة الحكم الديني، معادية للسامية ومعادية للسنة. ومسؤولوها الجدد هم لضرورات العرض. لنفترض كل ذلك. إذا تمكنا من ضمان عدم امتلاكهم للأسلحة النووية سنكون قد تمكنا على الأقل من منعهم من التعدي على جيرانهم، او لا قدر الله، استخدام هذه الأسلحة، أما كل التصرفات السيئة الأخرى فإنه يمكن التعامل معها بالشكل المناسب".

اسمح لي أن أقاطعك هنا، فخامة الرئيس

إذا كان "يمكن التعامل بالشكل المناسب" مع سوء التصرفات الايرانية، فلماذا لم تقوموا بذلك حتى الآن؟ لماذا تتركون حلفاءكم – الذين تؤكد ادارتكم أن التزامها بهم لا يتزعزع – يستمرون في معاناتهم من سوء التصرف الايراني؟ ثم، ماذا لو لم تنجح استراتيجية الاستمالة بالحسنى؟ ستكونون قد أعطيتم إيران مزيدا من الوقت لتصبح أشد سوءا ولتلحق مزيدا من المشاكل لجيرانها.

لذلك فإنه من الطبيعي أن يسمع اوباما في السعودية أنها لا تنصحه بالاستمرار في الطريق التي سلكها لمقاربة موضوع ايران، وان ذلك ليس رأي الرياض وحدها بل انه رأي العديد من حلفاء امريكا في المنطقة.

سوريا، قطر ومصر

كما أنه من المتوقع ان يتم البحث في العديد من الملفات الأخرى، أبرزها الأزمة المستمرة في سوريا والتي بدأت للتو عامها الرابع. فالسعوديون لم يخجلوا في السابق من انتقاد تردد البيت الأبيض في محاسبة نظام الأسد على الجرائم التي يرتكبها ضد شعبه، خصوصا بعد تغيير الولايات المتحدة رأيها في ربع الساعة الأخير حول توجيه ضربة الى الأسد ردا على استخدامه الاسلحة الكيماوية خلال الصيف الماضي.

لكن هناك إيجابية تتزامن مع زيارة أوباما، حيث انه استبق زيارته بإصدار أمر لإغلاق سفارة الأسد في العاصمة الاميركية وترحيل طاقمها الدبلوماسي الى بلادهم، ويمكن وصف هذه الخطوة بأنها مؤشر ايجابي على إمكانية التوصل الى مزيد من التناغم في الموقف بين السعودية والولايات المتحدة حول ايجاد حل نهائي لسوريا قبل نهاية العام الحالي.

ومن المتوقع أن السعوديين سينقلون لأوباما العتب المصري على سياسته تجاه المستجدات هناك، واستمرار واشنطن في الدعم المفترض لجماعة الاخوان المسلمين، وهي الجماعة المصنفة ارهابية لدى معظم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وهذه مسألة فائقة الأهمية، خصوصا وانه يبدو أن محورا إماراتيا-سعوديا- مصريا على وشك النشوء، وأن أبرز مظاهره تتمثل في قيام كل من السعودية والإمارات والبحرين على سحب سفرائهم من قطر بسبب إصرار الدوحة على دعم الإخوان المسلمين، بالإضافة الى أسباب أخرى قد يتم التطرق اليها خلال الزيارة، مع الاشارة الى ان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل كان واضحا حين قال مؤخرا إنه لا مجال للوساطة الامريكية حول الخلاف مع قطر، لأنها مسألة لن تتغير، بحسب المسؤول السعودي، ما لم تقم الدوحة بتغيير سياستها (الخارجية).

لقد تغير الكثير في دينامية العلاقات السعودية الامريكية منذ اللقاء الاول في عام 1945، إذ إن ولي العهد السعودي عاد للتو من جولة رفيعة المستوى شملت باكستان والهند والصين واليابان، مع ما يعني ذلك من عزم السعودية على الانفتاح في اتجاه الشرق بينما تستعد الولايات المتحدة لتصبح دولة مصدرة للطاقة بفضل التطور التقني في استخراج الغاز من الصخور الزيتية.

ومع ذلك، فإنه إذا أدرك الطرفان أن شراكتهما يمكن أن تعود بالنفع، لا على المنطقة فحسب، بل على العالم كله، فإنه يمكن لقمة الرياض أن تكون قمة تاريخية بشكل ما، وتؤسس لعلاقة طويلة الأمد لا ترتكز على المصالح وحدها بل على المعتقدات الحضارية المشتركة والالتزام بالخير الأسمى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.