.
.
.
.

هذا الزحام.. هديل الحمام

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

هناك فارق صخم بين حالة الزحام وحالة الفوضى، حالة الزحام التى نعيشها مفهومة، وربما تكون مطلوبة بعد ثورة حركت كل السواكن، كل ما كان ساكنا من الطبيعى أن يبدأ التحرك فى اتجاه التغيير، ومن الطبيعى أيضا أن يتحرك كل ذلك فى نفس التوقيت، ولا يمكن أن نطلب من جماعة أو فئة الانتظار بدعوى «أن هذا ليس وقته» فوقت التغيير جامع مانع، وربما هذا الازدحام فى أنواع التغيير واتجاهاتها، هو ما يضفى الإحساس العام بوجود حالة فوضى فى المجال العام، دون أن يمنع من وجودها الحقيقى فى بعض التفاصيل، لكن المشهد الآن هو مشهد تغيير بامتياز، ويبدو هذا ظاهرا للجميع، خاصة فى تحركات المجتمع المدنى (بمفهومه الواسع) فالكل يبحث عن كيفية إحياء التنظيمات الميتة أو خلق كيانات تنظيمية جديدة تكون قادرة على استعادة حقوق مسلوبة منذ سنوات طويلة.

النقابات المهنية تراجع نفسها وتبحث عن مصالح أعضائها، وآخرون يفكرون فى نقابات مستقلة للبحث عن الحق الضائع، الأحزاب التقليدية تغلى من الداخل وتشهد تغيرات واسعة ستلوح فى الأفق القريب، وقوى كانت صامتة تتكاتف لتأسيس أحزاب جديدة تعبر عن أفكار لم يكن مسموح لها بالتواحد من قبل، المرأة تتقدم فى الاتجاه الصحيح وفرضت نفسها على أجندة المجتمع بعدما كانت أحلامها رهن بقرارات فوقية من الإدارة أو الحكومة، وها هى صارت رئيسا لحزب وأمينا لنقابة كبرى ووكيلة فى نقابة أخرى، جماعات الإبداعات صارت أكثر تماسكا وأعلى صوتا وأكبر قدرة على مواجهة قمع حريات التعبير، حتى النوادى الرياضية ثارت على الاستسلام لإداراتها وأصبحت هى الأخرى قادرة على فرز من يحقق مصالحها، ومن يبحثون عن الوجاهة فى مقاعد مجالس إداراتها.

الأكيد أننا نفهم جيدا أن كل هذا الفوران لا يعنى أبدا أن ينتج واقعا مثاليا، بل على العكس ربما يؤدى فى بعض الأحوال إلى أوضاع أكثر سوءا مما كانت عليه قبل عمليات التغيير، لكن المفيد والمهم مما يحدث أن التغيير يتم بإرادة أصحاب الشأن وعليهم تحمل نتائج اختياراتهم، وهذا هو الفوز العظيم، لأن ذلك يعنى أن عمليات التغيير ستستطيع تصحيح مساراتها، عندما تكتشف انحراف الطريق عن تحقيق الأهداف، ولأن التغيير جاء بإرادة أصحاب الشأن، فبالضرورة سيكونون قادرون على ذلك، سواء عبر آليات ديمقراطية، فى توقيتاتها المفروضة، أو عن طريق الغضب العام على شاكلة (حالا وفورا)، وهو غالبا ما سيكون كثيرا هذه الأيام، فمازلنا فى حالة ثورة، والثورة تستدعى التغير السريع العاجل الشامل، لا الإصلاح البطىء، والذى سيأتى حتما بعد الثورة على العناوين الفاسدة الكبرى.

لكل هذا، يتشكل الإحساس العام بالفوضى، خاصة فى ظل إعلام يساهم فى ذلك بتقديراته الخاطئة لما يحدث، وعدم فهمه لطبيعة التغيير، فحالة الزحام فى التغيير نتيجة لكل ما مرت به مصر، سواء الموات قبل يناير ٢٠١١، أو الفوران بعده، أما الفوضى فتبدو أحيانا متعمدة، للتشويش على حالة التغيير، سواء من القوى التى ترفض هذا التغيير، أو القوى التى ترى فى التغيير الذى لا يتم بأيديها خسارة لمعسكرها، والحقيقة أيضا أن صوت وشكل التغيير الثورى يشبه كثيرا صوت وشكل الفوضى، وأنه من الممكن أن يلتبس علينا الأمر، وعلينا نسأل أنفسنا جيدا عن ذلك ونجيب عليه بشجاعة وصدق ولا نقف عند حيرة الاستفهام عما يحدث من فوضى أو زحام، فنحن لا نملك رفاهية حكيم المعرة، أبو العلاء، حينما تساءل عن الفارق بين بكاء الحمامة وغنائها (أبكت تلكم الحمامة أم غنت؟) فلا يجب علينا سوى مقاومة الفوضى وعدم الخوف من الزحام.. فهذا الزحام ليس (لا أحد) كما قال شاعرنا الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، وإنما هذا الزحام كثير.. هذا الزحام.. هديل الحمام.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.