جرأة
لم تشأ الإعلامية اللبنانية ريما مكتبي أن يمر سؤالها حول مهبط للطائرات يعتزم «حزب الله» إنشاءه في منطقة البقاع اللبناني مرور الكرام. ففي «المقابلة الخاصة» التي أجرتها على شاشة «العربية» مع وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، طرحت مكتبي موضوع المطار، بيد أن الوزير قدم تصوراً عاماً وكرر معلومات معروفة يتداولها الإعلام، ثم أقر بأنه لا يملك «معلومات دقيقة عن هذا الموضوع»، فتدخلت مكتبي بجرأة، لا تتناسب مع ملامحها الناعمة وأسلوبها المرن، إذ قالت: «أنت وزير للداخلية... لازم يكون عندك كل المعلومات حول البلد»، فما كان من الوزير إلا أن وعدها بأنه سيوفر المعلومات المطلوبة خلال 48 ساعة.
قد لا يمثل هذا التفصيل جرأة قصوى، غير أن المقابلات مع شخصيات رسمية غالباً ما تسير في إطار رسمي، إذ يكون المحاوِر حذراً، بل بين الرسميين من يشترط منذ البداية طبيعة الأسئلة والمحاور المطروحة للنقاش، ثم يوافق، تالياً، على إجراء الحوار ضمن الحدود المتفق عليها. في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما نبّهت إليه مكتبي من ضرورة أن يعلم وزير الداخلية بما يجري في البلاد جرأة، فهي لم تكتف بهز الرأس دلالة على الموافقة والمجاملة، ولم تتـخطَ الموضوع، بل رأت أن من واجب الوزير أن يكون مطّلعاً على موضوع على هذا النحو من الأهمية الناحية الأمنية.
التحدي الأمني في لبنان شغل جل الحوار، إذ تحدث المشنوق عما يجري في لبنان وفي طرابلس، بصورة خاصة، وعن الملف السوري وتداعياته على لبنان، وعن «حزب الله» والحدود و «قضية الإرهاب» وسواها من الملفات التي تنم عن «حس إعلامي صحيح»، سواء تعلق الأمر باختيار الضيف، وهو هنا وزير الداخلية اللبناني، أو عن المواضيع التي جرت مناقشتها خلال الحلقة التي دامت نحو نصف ساعة.
لا بد من الإشارة، إذاً، إلى أن اللقاءات مع شخصيات رسمية غالباً ما تكون نمطية، ويكاد المشاهد أن يكون على اطلاع على ما سيقوله هذا الضيف، ذلك أن ثمة الكثير من الضوابط والمعايير التي تحوّل أي حوار مع شخصية رسمية إلى مجرد تكرار لما يتداوله الإعلام، وإعادة للمعلومات والتصورات ذاتها ولكن بتعابير مختلفة. لكنّ حوارات قليلة من هذا النوع تسعى إلى تجاوز هذا الإيقاع الرتيب، والجهر بالمسكوت عنه، وإثارة السجال والخوض في نقاشات لا مجرد الاكتفاء بطرح السؤال والإصغاء إلى الجواب وكفى.
ولعل المقابلة الخاصة التي أجرتها مكتبي تعد نموذجاً لمثل هذا الشكل الجديد. لكنّ ثمة الكثير من الاعتبارات التي لا تزال تقلل من فضيلة الجرأة التي ينبغي أن يتحلى بها المحاورون، فالنقطة الجوهرية في الحوارات لا تكمن في من هو الذي نجري الحوار معه، بل في مضمون الكلام الذي يقوله، وهذا يتطلب الاستغناء عن الرسميات والذهاب بـ «الشغب الصحافي» إلى الحدود القصوى.
*نقلاً عن "الحياة".