توزيع الثروة وتركّز الثروة

حسن عبدالله عباس
حسن عبدالله عباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

أخبارنا المحلية ونوابنا لم يعد يهمهم الا الحديث عن المال، كحديثهم الدائر عن العلاوات وبدل الاطفال والخيارات المتعددة وهذا يريد 7 اطفال وذاك اقل والثالث 65 وهلم جرا. فهل الستون او السبعون او حتى المئة كافية لتسد رمق مواطن «كحيان» في ظل أسعار ملتهبة ونسب تضخم جنونية؟!

الامر غير مرتبط بتاتا بالعلاوات والرواتب، بل اكثر الظن ان الحكومة (والنواب كذلك) سعيدة «عالآخر» لأنها قادرة على إذلالنا من هذا الطريق لنستجدي منها العشرة والعشرين ديناراً. اسف، فالموضوع أبعد من هذا الجانب يا نوابنا الافاضل، فالحكومة تريدكم ان تنشغلوا بهذه الدرجة من قصر النظر وضعف الحال.

القصة مختلفة تماما وتعود في الاساس الى حقوق المواطنين الاقتصادية والطبيعية، واقصد بذلك حقهم في اخذ فرصتهم المنصفة والحقيقية بالسعي والسير نحو الفوز بثروة اقتصادية بدلا من الانشغال بالفتات والتصدق الحكومي.

ولو اردت الحق، فالامر لا يشمل الكويت فحسب، بل يطول كل المجتمعات الحالية. والا فكيف يُعقل ان يتحكم 1 في المئة من سكان العالم بـ50 في المئة من ثروة الكون؟ وهل يعقل ان تتحكم عشرة او اثنتا عشرة عائلة باقتصاد دولة كالكويت («الوطن»، 2012/06/01)!؟ هل من المنطقي ان يمتلك 1 في المئة من سكان الارض اكثر من 110 تريليونات دولار؟ وهذا الكلام نفسه ينطبق لبقية الدول.

اعلم ان البعض سيجيب بأن الناس قدرات، وأن الدنيا ميدان للسباق، وان المتنافسين فيهم الغالب وفيهم المغلوب. ولذلك ترى التفاوت والغني والفقير لان الامر تنافس وسباق. بصراحة هذه الاجابة ضعيفة لعدة اسباب:

ضعيفة أولا لأنها تقارن التنافس في الحياة مع المنافسات الرياضية الاعتيادية. ففي الرياضة التنافس يكون صحيحا لأن الناس تتسابق في ظل ظروف تنافسية عادلة، بمعنى ان الميدان والحكم والصفارة والجو وكل المتغيرات متوافرة وموزعة بشكل عادل على المتنافسين، ومن ثم فإن النتيجة تكون مرهونة بالكامل وفقط الى قدرات الرياضيين المتسابقين. لكن الحياة الاقتصادية أمرها مختلف وليست كذلك ابدا.

الناس هنا لا يعطون لبعضهم الفرص المتساوية الصحيحة بحيث يمكننا ان نحكم على الفائزين بأنهم فازوا بالجولة لجدارتهم بالفوز. فالاقتصاد اصبح مصمما ومرسوما ليتناسب اكثر مع الاغنياء وابنائهم واصحاب الثروات اكثر وعلى حساب الغالبية وبقية الفئات. انظر مثلا الى من تسند إليه المناصب المؤثرة، الى رئاسة البنوك، الى غرف التجارة، الى الجامعات، الى الوزارات، الى الهيئات والمواقع المؤثرة، الى القوانين الموضوعة. فهل هذه المواقع موزعة توزيعا منصفا؟! حتى مع فرضية فوز انسان «اعتيادي» ضمن هذه الظروف، يظل هذا الانسان استثنائيا من حيث القدرات بحيث استطاع ضمن هذه الظروف المعقدة والصعبة للغاية ان يفوز ويتفوق (ستيف جوبز، اوبرا، توم هانكس).

لجانب ما سبق يجدر ان نلتفت الى ان الثروة ليست كالفوز بالمسابقة الرياضية او التلفزيونية. هنا الامر مرتبط اكثر بمصير الانسان وقدرته على العيش بسلام وكرامة. من هنا أسأل ما حكمك على انسان غني مستهتر يلعب بالمال ويسرف في الأكل والملذات في مجتمع يعاني المجاعة؟ فهل اخلاقيا نقبل بمقولة الحياة ميدان للتسابق؟! الامر عسير جدا.

نقلاً عن صحيفة "الراي" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط