احتجاج بعد فوات الأوان

حسام عيتاني
حسام عيتاني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الانقسام الحاد الذي أثارته معركة الساحل السوري ووصوله إلى صفوف المعارضين، يشي قبل كل شيء بالقصور الشديد الذي أولته المعارضة لمسألة الأقليات وتصوراتها المستقبلية للعلاقات بين مكونات الشعب السوري.

قد لا يتمكن المقاتلون المعارضون من الاحتفاظ بالأرض التي استحوذوا عليها في الأسابيع القليلة الماضية، ليكرروا ما جرى مع الهجوم السابق في العام الماضي، على رغم ظهور علامات قدرة على التمسك بالأرض والاستعداد لتطوير الهجوم نحو مناطق جديدة في الساحل. وعلى رغم الاختلافات بين المعركتين في الأجواء والقوى المشاركة ومستوى الإعداد والتخطيط، مع ما يقال عن دور تركي في العملية، تتعين ملاحظة أن الهجوم الجديد أعاد قرع كل أجراس التوجس الطائفي على جبهتي الانقسام السوري.

عليه، يبقى الجانب الميداني- العسكري أقل أهمية من نظيره «الأهلي»، أو الأساس الذي تتشكل عليه السياسات في هذه الناحية من العالم، جنباً إلى جنب مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما يساهم في تفسير الصخب الذي رافق اقتحام عناصر المعارضة بلدة كسب وتقدمها صوب عدد من القرى المجاورة.

تتركز الاحتجاجات الصادرة من جانب معارضين بعضهم يحتل الصفوف الأولى، على أن معركة الساحل تمثل خطأ استراتيجياً ستدفع المعارضة ثمنه مزيداً من التهميش ومن الحصار الإعلامي والسياسي وتأخير توريد الأسلحة النوعية الموعودة. يضيف هؤلاء إن معركة الساحل سترفع مستوى التوتر الطائفي بما يعيق أي تسوية سياسية مأمولة. أقل ما يقال في هذا الكلام إنه مراوغ ومنافق.

فالثورة معزولة ومهمشة على المستوى الدولي منذ أعوام. والأسلحة النوعية قد لا تصل أبداً، وإذا وصلت فالأرجح أنها لن تغير موازين القوى بعد إعادة الهيكلة التي خضعت لها قوات النظام بإشراف إيراني وروسي، والأخطاء الاستراتيجية وقعت وقضي الأمر وما يجري لن يزيد الأمور سوءاً لأنها بلغت أصلاً حضيض السوء.

الأهم من ذلك، أن المعترضين الحريصين على التنوع الطائفي والإثني في كسب والساحل، وأكثرهم وقف غير مبال أمام أطفال الغوطة وهم يختنقون بالغازات الكيمياوية وأمام تدمير حلب بالبراميل المتفجرة، رفضوا منذ الأيام الأولى للثورة فهم المعنى العميق للمجازر التي باشرها النظام في مناطق ذات أكثرية طائفية معينة. ويداني البداهة أن ما جرى في تلك الأيام يؤتي ثماره اليوم.

ذلك أن الإصرار على إطلاق عنف لا يقيده قيد، وتسعير الانفلات الإجرامي لشراذم الشبيحة وتحويل جنونهم إلى سياسة رسمية للقوات المسلحة الموالية بأسرها، كان لا بد أن يفضي إلى توليد منطق الحرب الشاملة. حرب الكل ضد الكل، في معزل عن كل حساب تكتيكي أو استراتيجي أو أخلاقي.

وعندما جاءت التحذيرات من خطر ممارسات النظام، لم تكن لمجرد التنبيه إلى أبعاد المعاناة الإنسانية التي ينزلها بالسكان، بل أيضاً لانطوائها على بذور ردود فعل من الصنف ذاته، لن تتمكن معارضة مفككة قليلة التماس مع جمهورها في الداخل، من ردعها والحيلولة دون انتشارها.

عليه، تبدو من السذاجة القريبة من البلاهة تلك المواقف الداعية إلى عدم المس بالأقليات واحترام التنوع الإثني والثقافي وكأن سورية معرض حضارات في إحدى الضواحي الدنماركية. لقد فات الأوان، ووحش التطهير العرقي الذي أخرجه النظام، واعياً وعن قصد من قمقمه، لن يختفي قريباً. وفي وسع المحتجين الاحتفاء بمساندة السيدة كيم كرداشيان لـ «قضيتهم العادلة»، لكن الإعصار سيدمر الجميع.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط