.
.
.
.

"مائة عام من العزلة"

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

ليس المقصود طبعا، عزلة جابريل جارثيا ماركيز، والذى احتفل قبل أيام بعيد ميلاده السابع والثمانين، وسط أنباء عن فقدانه لنشاط ذاكرته، وإنما نتحدث عن عزلة النوبة والنوبيين والتى بدأت تقريبا منذ مائة عام (تمت تعلية الخزان عام ١٩١٢) وتذكرناهم بعد ثورة يناير ٢٠١١ على استحياء، لتأتى أحداث منطقة السيل الريفى بمدينة أسوان خلال اليومين الماضيين، بكل ما تحمله من مآسٍ، لتنشط الذاكرة تجاه هؤلاء الذين اعتدنا على عدم سماعهم طويلا، ما حدث كان مؤلما وموجعا، والأهم أنه غير مفهوم ولا مبرر على الإطلاق، ولا أعتقد أن علينا مجددا تقبل فكرة أن المأساة حدثت لأن شابا تحرش بفتاة، فعدد القتلى والمصابين مهول حقا، ولا يمكن أن تمر القصة هكذا، وليس فى صالح أحد أصلا أنها تمر.

ما فعلته الدولة بالذهاب فورا إلى منطقة الأحداث، ممثلة فى السيد رئيس الوزراء ووزيرى الداخلية والتنمية المحلية، ربما يكون النقطة المضيئة الوحيدة فى الأحداث، فقد تعاملت الدولة بجدية تتناسب مع حجم الحدث، وعلمت أن الاهتمام كان من أعلى المستويات، وأن التحركات كانت سريعة فعلا، كما أن القرارات كانت واجبة، وتعكس أن هناك من فى الدولة مازال يفكر فى مصالحها، ونتمنى من الله أن تتوقف الأحداث عند هذا الحد وأن تصفو القلوب، ومع الأمنيات، يجب أن تتدخل الدولة بتحقيقات جادة وسريعة لتطبيق القانون على متجاوزيه ومتحديه، لإعلان العدل بين المتنازعين، فلا شىء غير العدل قادر على بسط الأمن، فى هذه المنطقة التى كانت آمنة أصلا.

أما ما يجب التوقف أمامه طويلا، فهو هذا العنف غير المسبوق الذى شهدته هذه المنطقة، أحد الزملاء الصحفيين الذين يعملون هناك، قال لى ربما تكون هذه الواقعة هى الأولى فى تاريخ مدينة أسوان، وأن أبناء المدينة غير مصدقين ما حدث، وما لفت انتباه الجميع أن الأحداث وقعت على بعد خمسمائة متر من قسم شرطة ثانٍ، وعلى بعد ما يقرب من ألف وخمسمائة متر من مقر مديرية أمن أسوان، وللأسف الشديد كانت الشرطة غائبة، ولم يكن مدير الأمن على مستوى الحدث، وربما كان ذلك وراء قرار إبعاده وتعيين مدير جديد لأمن أسوان.

المشكلة الحقيقية فى هذه الأحداث، أن من بين أبطالها قبيلة نوبية، والذين عرفوا على الدوام بالهدوء والسكينة وعدم انتهاج العنف حتى فى لحظات مظلومياتهم الكبرى، لذا كان صادما ما نسب إليهم فى هذه الأحداث البشعة، ولا يمكن تفهمه بسهولة، حتى إن الأديب النوبى حجاج أدول تساءل عن سر تحول النوبى الطيب المسالم إلى النوبى الشرس، هو حاول الإجابة وقال إن الشراسة جاءت بعد تهجيرات أربعة وطرد من بيوت وأراضٍ دون أن ينصفهم قانون أو مجتمع، فهل تفيق الدولة لتحاول أن تعيد النوبى لطيبته ومسالمته، فمثلما يقولون هم دوما إن النوبى لا يحمل حتى «نبوت» فقط يحمل قلبا طيبا.. فمن نزع من هذا القلب طيبته. أعتقد أن الدولة عليها أن تكمل مهمتها وتفتش فى دفاتر مظلومية مائة عام وتبحث عن إنصاف حقيقى لأهلنا فى الجنوب.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.