.
.
.
.

نساء فلسطين يتقدمن.. وقادتها يتناحرون!

بكر عويضة

نشر في: آخر تحديث:

عبر إذاعة «إل بي سي» البريطانية، تابعت ليل الأحد الماضي جزءًا من حوار بين المذيع والجمهور بشأن اقتراح لأحد كبار الضباط، يدعو لانتقال المجندات من القتال بالسلاح على الجبهة إلى المشاركة في المعارك عن قرب (CLOSE COMBAT) بمعنى السماح لهن، إذا اقتضى الأمر، بخوض عراك بدني مع جنود العدو. انتفض المذيع غاضبًا يبدي الاعتراض على ما بدا له نوعًا من اللامساواة في موازين البنية الجسمانية للذكر والأنثى، بزعم أن ذلك يندرج ضمن المساواة بين الجنسين. بدءًا، كانت تلك معلومة جديدة لي، وربما لكثيرين غيري من المستمعين، أفادتني بأن لوائح الجيش البريطاني تحظر على العنصر النسائي مِثل ذلك القتال. نحن، إذن، أمام مثال آخر يثبت لمن يبحث عن إثبات، أنه حتى في دول متقدمة ثمة خطوط تميّز بين المباح للمرأة والمسموح للرجل في غير مجال، ومنها ميدان القتال.

مع الفارق الجوهري في الموضوع، تذكّرت ذلك الحوار الإذاعي صباح أول من أمس (الثلاثاء) فور مطالعتي قصة لوكالة «أسوشييتد برس» نشرتها صحيفة «الإندبندنت» عن تخريج أول مجموعة نسائية للحرس الرئاسي الفلسطيني في رام الله. تضم الفرقة اثنتين وعشرين خريجة سيلتحقن بقوة الحرس الرئاسي المكونة من 2600 رجل. تعرض القصة تفاصيل عن تدريبات بالغة الخشونة سبقت التخرج، وهو ما يوجب شعور الإعجاب بعزيمة أولئك الشابات اللاتي، بالتأكيد، كان بوسعهن اختيار ميدان أقل صعوبة لخدمة وطنهن. تأخذني القصة كذلك إلى قطاع غزة، لتخبرني أن القوة الأمنية التابعة لسلطة الحكم هناك، والمكونة من 16 ألف رجل، تضم هي أيضا 400 امرأة. حسنًا، مرة أخرى، يفرض شعور الإعجاب حضوره التلقائي، إذ تشعر بقوة حضور المرأة الفلسطينية في غير مجال يحتكر الرجل حقَّ ارتياده، ليس فقط في مؤسسات مشروع دولة فلسطين، الذي لم يتحقق بعد، وإنما كذلك في مرافق دول عدة، بينها من قطع في التقدم أشواطًا مبهرة.

الحق، أن التحية واجبة ومستحقة، في هذا السياق، لنساء فلسطين كلهن أجمعين. فطوال سنين إحدى أفظع مظالم القرن العشرين، أعطت المرأة الفلسطينية، ولا تزال، لقضية شعبها العادلة، أكثرَ من الكثير. ومن دون حاجة للتفاصيل، أو التذكير بأسماء طواها نسيان زُمَر التهافت في دروب الجاه والمال، يكفي أن ما من دربِ عطاءٍ استعصى اقتحامه على الفلسطينية، سواء ببذل الدم أو بحبس الدمع، إنْ بوجع الأسر أو كظم الجوع بحصى يغلي في قِدر إباء النفس، يواجه قهر المحتل، وظلم ذوي قربى. حصل ذلك على أرض الوطن، وفي مخيمات المنافي، وهو جرى بفعل مظالم الاحتلال، وذلك أمر متوقع، فما من احتلال يطوّق بالورود والرياحين أعناق من يحتل أرضهم، لكن الأسوأ أنه حصل بأيدي قيادات فلسطينية يخجل أمام بعض أفاعيلهم خيال دوستويفسكي وأفاعيل «الإخوة كارامازوف» تجاه بعضهم البعض.

ليس مهمًا كيف يرى أولئك وجوههم في المرايا، فالمرآة قد تكذب عليك عندما ينقل إليها دماغك ما يراه خيالك، فيتراءى لك الوجه الذي يرضيك. المهم كيف ينظر المتورطون في الصراع الفلسطيني - الفلسطيني إلى دواخل أنفسهم، أتراهم ينامون ملء الجفون عن شوارد ما فعلت صراعاتهم بالمعترين من شعب فلسطين، أو يملكون جرأة النظر إلى عيني الأم الفلسطينية التي أنجبتهم «أبناء قضية» و«رفاق كفاح»، فإذا بهم ألد الأعداء، تراهم حتى داخل التنظيم الواحد، يظهرون لبعضهم البعض من طرف اللسان حلاوة، وما تخفي النفوس أعظم مما يريده عدوهم. ولأجل ماذا كل هذا الدس على وضد بعضهم البعض؟ من أجل جاه هنا وصفقة هناك؟ لغرض التشبث بحكم هنا وفرض حكومة هناك؟ وأين؟ داخل أرض لم تنهض عليها دولة بعد؟ ناهيك بالأسوأ، كما الصراع على إحكام سيطرة على مخيم لاجئين المنطق يقول إنه يخضع فقط لسلطة دولة تستضيفه، أو الصراعات على الأدوار وكراسي القرار في المراكز والمؤسسات، داخل الوطن وخارجه، حتى تحت أسقف تلك المملوكة لمن يملك المال فيحرك ما شاء له التحريك، يقرّب من يشاء ويقصي من أراد. نعم، حصل هذا كله، ولا يزال، وهو مسجل وموثق في سجلات لن يلغيها أن توضع بين أنياب آلة تفتيت ورق (SHREDER) تمضغها، أو أن تلقى للهب حريق يلتهمها، إنما يمكن لقلب الفلسطيني أن يتجاوزها فيصفح ويعفو حين يلمس، بالفعل لا بزخرف القول وحده، أن قلوب من يحملون عبء مسؤولية قضية شعب بأكمله، في الوطن والشتات، قررت بصدق أن تصفو، وأن صوت العقل سيعلو فوق جهل التناحر بعدما فاق أذاه كل تصوّر.

لقد أطل الفساد داخل أطر منظمة التحرير الفلسطينية وهي لا تزال في المهد صبية، ثم ترعرع وانتعش مع انتقال زمام أمرها إلى منظمات العمل المسلح، فبدأت صراعات المناصب اللجنة التنفيذية، وعضوية المجلس الوطني، ثم خناقات الأنصبة في الميزانية، وتلك كلها كانت هيّنة، زمنذاك، بالقياس إلى ما انتهت إليه معارك «أبناء القضية» ليس فقط على أراضي غيرهم، بل على أرض مشروع دولتهم ذاتها. أعجب، بعد كل ما جرى ويجري من سوء إدارة لأعدل قضية عربية، بأيدي من يتحملون مسؤوليتها، أن تؤول إلى فشل كل مبادرة تحمل ولو بعض ضوء بمستقبل أفضل لشعبها؟ كلا. وهل هذا يعفي ساسة إسرائيل، عبر مختلف المراحل، من المسؤولية؟ ذاك سؤال ليست إجابته بحاجة لعبقرية، عقلاء إسرائيل والعالم أجمع، يعرفون حجم مسؤولية حكام تل أبيب وعبقريتهم في تضييع فرص سلام عدة. لكن وضع كل العبء على المشجب الإسرائيلي هو فرار إلى الخيار السهل، أما الاختبار الأصعب فهو الإجابة عن السؤال: متى تقر أغلب قيادات مختلف التنظيمات الفلسطينية بمسؤوليتها عما أوقعت من تدمير ذاتي للمستقبل الفلسطيني؟

*نقلاً عن "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.