حلال المرحوم.. الله لا يرحمه
الأساطير الحضرية نوع من القصص المعاصرة لا يمكن ان تكذبها لعدم وجود داع لنفيها، كما انه في الوقت ذاته لا يوجد ما يؤكدها سوى أنها تروى وتتداول على الألسنة، أو كما تسمى وتعرف بالإنجليزية بالـ urban legends أو الـ urban tales.
في الكويت لدينا من هذا النوع من القصص ما لا يمكن أن يتخيله أحد شأننا شأن جميع شعوب العالم، وسمعت منها المثير وبعضها أردده دائما في المناسبات التي تستوجب استحضار مثل هذا النوع من القصص ولكن من القصص التي لا يمكن نسيانها هي قصة « حلال الوالد... الله لا يرحمه».
لا أعرف أين سمعتها ولكنها متداولة بشكل او بآخر وبأكثر من سيناريو بين الناس هنا، وتقول القصة ان رجلا كويتيا طاعنا في السن كان يقوم بإنهاء إجراءات سفره ليلا من منفذ النويصيب متجها إلى الدمام، وتعطلت سيارته في المركز، وبحث عمن يقله إلى الدمام لكونه مرتبطا بعمل هام صباح اليوم التالي هناك، فتوقف له شاب كويتي بسيارة فارهة وعرض عليه ان يقله الى الدمام معه، وعندما ركب الرجل الطاعن بالسن السيارة أعجب بها وقال للشاب: «ما شاء الله بكم سعر هذه السيارة»، فأجابه الشاب: « 22 ألف دينار وهذي من حلال الوالد الله لا يرحمه»، ولم تصدم الرجل الطاعن في السن قيمة السيارة بقدر ما صدمته جملة الشاب «حلال الوالد الله لا يرحمه»، فبادره المسن قائلا: «استغفر ربك لا تجوز على الميت سوى الرحمة فما بالك ان كان والدك».
ابتسم الشاب وقال له:«حجي قبل ان تسدي لي نصائح اسمع مني أولا»، ثم بدأ الشاب بسرد حكايته: «نحن 7 أخوة نسكن في منطقة متواضعة وشخصيا حتى بلغت الثلاثين من عمري وأبي لايزال حيا كنا لا نتناول الدجاج أو اللحم على الغداء إلا مرة في الأسبوع، ذلك أننا ومنذ أن وعينا على الدنيا ووالدنا فقير ومديون، وبسبب دينه لم يكمل أي منا تعليمه، وما ان ينهي أحدنا الدراسة المتوسطة حتى يلحقه والدي بالجيش او بالشرطة ليصبح ذا راتب، وحتى عندما كنا نلتحق بالوظيفة كان يحصل والدنا على كل رواتبنا بحجة انه مديون وانه يأخذها ليسدد ما عليه، وكنا 5 إخوة موظفون ومع هذا ظل والدنا يأخذ رواتبنا ويسدد بها دينه، لأكثر من 30 عاما ومنذ ان فتحنا أعيننا على هذه الدنيا ونحن فقراء حتى رحل والدي عن عالمنا العام الماضي، وتقبلنا العزاء به ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث فوجئنا بحضور شخصين يبدو عليهما الأناقة المبالغ فيها، وطلبا منا الاجتماع بنا بعد انتهاء العزاء لأمر هام، في البداية اعتقدنا انهما من كبار الدائنين لوالدي، ووضعنا أيدينا على قلوبنا».
ويكمل الشاب حديثه لمرافقه الرجل المسن قائلا « صدمنا بما عرضه علينا الرجلان فكلاهما أبلغانا أنهما ممثلان لمصرفين وأنهما.جاءا ليطلبا منا نحن الورثة ألا نغير حسابات ومحافظ والدنا الاستثمارية الموجودة في بنكيهما بعد حصر التركة، اعتقدنا انهما يمزحان فأي تركة نمتلك ونحن نظن أننا سنرث منه ديونا طائلة سنظل نسددها حتى الممات، ولكنهما ابلغانا بان والدنا يمتلك رصيدا ماليا في كل بنك لا يقل عن 15مليون دينار على شكل سيولة نقدية ذلك بخلاف المحافظ الاستثمارية التي يمتلكها في كل بنك والتي لا يقل مجموعها عن 50 مليونا».
ويضيف الشاب: «جميعنا صعقنا، ولم نستفق من الصدمة إلا ونحن نوقع إقرارا تضامننا كورثة في كلا البنكين بملكيتنا المشتركة لأكثر من 80 مليون دينار، بعدها تغيرت حياتنا وانتقلنا الى منزل أفضل وحياة أفضل وأنا اشتريت هذه السيارة الفارهة التي تركبها معي، والآن هل تريدني ان أترحم على رجل دفنا في الفقر لأكثر من 30 عاما أم أطلب له الرحمة؟».
معضلة ما إذا كانت الرحمة تجوز على والد الشاب من عدمها، هي شبيهة بمعضلة نفي أو إثبات هذه القصة، فهي مجرد قصة حضرية أخرى.
توضيح الواضح: «القصة وان كانت رواية غير مسندة، إلا أننا نعيش واقعها كل يوم، بشكل أو بآخر».
* نقلا عن "الأنباء" الكويتية