.
.
.
.

من التفكير إلى التفجير

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:


لم يكن من المتصور أبدا أن تصل الحال فى الجامعات لما وصلت إليه الآن، ولم يخطر على بال أحد أنه سيأتى اليوم الذى سيحمل فيه الطلبة قنابل لتفجير جامعاتهم، وإذا كان عنف جماعة الإخوان فى الشارع له دوافعه التى يمكن تفهمها بشكل أو بآخر، فإن ما يحدث فى الجامعات غير مقبول أو مفهوم على الإطلاق، كما أنها وقائع لا يمكن نسيانها أو غفرانها، لأنه فى اللحظة التى تلت الموجات الثورية المتعاقبة، كانت الجامعات على طريق الاستقلال فعلا وكنا نأمل أن يكون هذا الاستقلال بداية لنهضة جامعية كبرى، بالتأكيد كانت ستكون عونا لنهضة البلاد، فالجامعات هى بيوت البحث والتفكير والتطور، وكان من المفترض أن تبدأ جامعاتنا رحلة مواجهة مشكلات الأمة، فجامعة القاهرة نشأت لرغبة قادة العمل الوطنى فى خلق كيان قادر على مساعدة البلاد نفسها فى الاستقلال عن الاحتلال الإنجليزى، وهو ذات العام الذى تم فيه إطلاق الأحزاب فى مصر (١٩٠٧) فقبل أكثر من مائة عام كان المجتمع واعيا بأنه لا تقدم ولا استقلال بدون العلم، ثم نأتى فى عام ٢٠١٤، تكون الجامعة هى بيت التخريب والتفجير بدلا من أن تكون بيت البحث والتفكير.

ربما لا يدرك كثيرون، أن الجامعات هى صاحبة الدور الأهم فى تطور هذه الأمة، ليست فقط بقدرتها على مواجهة المشكلات بطرق علمية، ولا بتقديمها مواطنين صالحين للمشاركة فى عمليات البناء، لكنها أيضا كانت البيئة الحاضنة لكل الحركات الوطنية وتصويب وتهذيب حالات الاحتجاج المجتمعى، لأنه ــ من المفترض ــ أن حركة الوعى داخل الجامعة متفوقة على حركات الوعى خارجها، وكانت كل معارك الجامعات، هى المعارك النبيلة التى نجحت فعلا فى تغيير المجتمع المصرى للأفضل، كان طالب الجامعة فى حد ذاته قيمة كبرى ومنتجا تبذل البلاد جهودا رهيبة لتحسين جودته، والأمر لا يحتاج إلى أدلة، فيكفى أن نتابع ماذا فعلت الجامعات العريقة لبلادها، لنفهم ماذا نصنع الآن بمستقبلنا، وكيف أننا نشارك فى هدم الماكينة الذهبية التى كان من الممكن أن تقدم لنا عناصر النجاح فى معركتنا الكبرى نحو النهضة، وما نفعله الآن، ليس سوى عملية تخريب كبرى لعقلنا الكبير، ناهيك عما يجب أن نتوقعه من هؤلاء الشباب بعد خروجهم للحياة العامة، وقد اعتادوا التخريب والتفجير، وربما القتل، فى التعبير عن رأيهم، إذا سمينا ما يحدث الآن تعبيرا عن الرأى.

الخسائر التى تشهدها الجامعات حاليا، ليست مجرد خسائر فى أبنية ومنشآت وسيارات وأدوات ووسائل، فهذه أمور من السهل تعويضها وإصلاحها، أما الذى لا يمكن تعويضه أو إصلاحه، فهو دور الجامعة وقدسيتها ومكانة أساتذتها، والطالب الذى تحول إلى مخرب ومدمر، لا يعنيه أمر بيت علمه ولا زملاء دراسته ولا أستاذه ومعلمه، المسألة الآن لم تعد أن الشرطة تقف خارج الجامعة أم تتواجد داخل حرمها، بل تعد الشرطة من الأساس، هناك تخريب يحدث فى بنية مكانة الجامعة نفسها، فاستهدافها صراحة وعلانية فى بيانات بعض قوى الإسلام السياسى، يعكس حالة الجهل الذى يعترى المجتمع الذى على ما يبدو فقد إيمانه بكل شيء، بما فى ذلك بيت العلم.

الكارثة عظيمة، ويجب أن تلتفت الدولة لها بجدية أكثر، وتعمل على إصلاحها، ولا إصلاح للجامعة إلا بمشاركة أساتذتها، الذين عليهم إدراك أنها ساحة علم لها قداستها، لا ساحة سياسة ومعارك ثأرية، وفى كل الحالات يجب أن تعلم جماعة الإخوان أنها ارتكبت جريمة لا يمكن غفرانها، ولا المسامحة فيها، فمن يتحدث ويطالب بالحق، لا يمكن تصديقه ولا التعاطف معه، وهو يقتل الحقيقة التى كانت تسكن دوما فى جامعاتنا، وتنطلق منها.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.