.
.
.
.

اعتزال وحيد

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

رغم بساطة بيان اعتزال الدكتور وحيد عبدالمجيد، العمل السياسى، فإن الأسباب التى ساقها ودفعته للاعتزال بالغة التعقيد وشديدة التركيب، وإذا كانت أسباب من نوع «الأجواء المحتقنة» و«الإرهاب المادى والمعنوى» مفهومة ومتفقا عليها ولا تحتاج لأى تفسير، وكافية لمغادرة أى عاقل للعمل العام، تأتى بقية الأسباب صادمة ومقلقة وتحتاج للكثير من البحث والتفسير والتحليل المعمق، خاصة «الانهيار الأخلاقى» و«الخرافات السياسية» اللذين وصفهما وحيد عبدالمجيد بأنهما جعلا «العقل المصرى فى خطر».

وحيد فضل العودة للبحث والدراسة وأنهى علاقته بالسياسة، بعد أن انتهى من صياغة البرنامج الانتخابى للمرشح الرئاسى المحتمل حمدين صباحى، وكان وحيد من أنشط الشخصيات التى لعبت أدوارا كبيرة بعد ثورة يناير، من أهمها الإشراف على جبهة موحدة لخوض الانتخابات البرلمانية (2011) والتى كانت بقيادة الإخوان، وبعض الأحزاب الصغيرة (من بينها حزب الكرامة الذى أسسه صباحى)، ثم قام بدور هام ورئيسى فى الجمعية التأسيسية الأولى، وبذل جهودا خارقة من أجل الحفاظ على وحدتها، لكن الإخوان خذلوه وانفردوا بكل شىء، لتبدأ معاناة مصر مع أطماع سياسية حقيقية، وهيمنة مجنونة، دفعت البلاد للانهيار الأخلاقى والخرافات السياسية، عبر مراحل متعددة، وللأسف كلاهما آخذ فى التطور والصعود، لا فى التراجع والخفوت.

بيان وحيد عبدالمجيد، يواجهنا بحقيقة سيطرة عدم الأخلاق على جميع تفاصيل العمل السياسى، التى باتت محكومة بالصراخ والسفالات والسباب طوال الوقت، من دون أى مبررات لذلك، ولا يخفى على أحد أن انهيار الأخلاق بدأ من مرحلة مبكرة جدا عقب الثورة مباشرة، وربما كان من أهم علاماتها التطاول على الكبار من دون أسباب، ثم التعريض بالحياة الشخصية لكثير من الساسة، ووصلت الأمور ــ للأسف الشديد ــ للحديث عن الأعراض، دون أن يخجل أحد من ذلك أو يعتذر عنه، وكان من الغريب حقا، أن نرى إسلاميين ينزلقون إلى ذلك، حتى بلغت درجة لا يمكن تصديقها مع قصة «نكاح الكاراتيه» والتى بدت وكأنها انتقام من قصة «جهاد النكاح»، وفى كلتا الواقعتين، انحطاط أخلاقى غير مسبوق، ولم تعرفه مصر من قبل فى أى مرحلة من مراحل انهيارها السياسى، وتتصاعد الأزمة دون أن تجد كبيرا واحدا يستنكر ما يحدث، وفى بعض الأحيان كان هناك كبار وراء هذا الإنحطاط، أو شجعوه وأثنوا على من قام به.

الانهيار الأخلاقى فى حد ذاته، نتيجة من نتائج الخرافات السياسية، والتى تبدأ دائما من أن السياسة لا تعرف الأخلاق أو أن السياسة «نجاسة» كما كان الرئيس السابق شخصيا يروى ويحكى، ولا يغيب عن أحد أن فكرة الديمقراطية هى الصندوق، أو أن الفائز فى الانتخابات يحكم وفقا لأهوائه لا بالدستور والقانون، ناهيك عن عشرات الحكايات المليئة بالخرافات الحقيقية بدءا من سرقة مبارك لتريليونات الدولارات، وليس انتهاء ببيع مرسى لسيناء بأوراق يتداولها من يطلق عليهم نشطاء وللأسف يرددها ساسة كبار، فأخذت الخرافات كل شىء عاقل فى طريقها، وتركتنا وسط جنون كامل فى كل شىء، حتى أصبحنا لا نصدق حتى ما نقوله، والمدهش فعلا، أن هناك من يتحدث عن كل ما جرى من «خرافات» باعتبار ذلك هو الحقيقة، التى ينبغى أن ننطلق منها نحو المستقبل.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.