.
.
.
.

لماذا تغيب الاستراتيجية؟

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

كل الذين سمعتهم من قبل يسخرون من قيمة فواتير استهلاك الغاز المنزلى (من ثلاثة جنيهات إلى ثمانية جنيهات) استقبلوا خبر زيادة أسعاره بغضب شديد وأعلنوا رفضهم لذلك، رغم أن أحدهم كان يحكى من قبل، أن حارس العمارة، التى يقطن بها، يدفع ثمنا لأنبوبة البوتوجاز أكثر ما يدفعه سكان العقار (من البهوات) مجتمعين لاستهلاكهم للغاز، والأمر، بصراحة، لا يحتاج إلى قصص وحكايات لنفهم أن أسعار الغاز التى كانت تتعامل بها الدولة مع المواطنين هزيلة، ولا تتناسب مع قيمة ما تقدمه من خدمة، وربما جاء قرار الأخير لتصحيح أوضاع خاطئة كانت مستمرة منذ عدة سنوات، وحانت لحظة التفكير الجدى لمراجعة دعم الطاقة، بعدما استفحلت أزمته، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى أن تصبح أزمة عدم وجود طاقة، لا أزمة أسعار طاقة، وهى مراجعة إجبارية تأخرت الحكومات المتعاقبة فى مواجهتها أو التصرف حيالها، وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الحكومات صمتت، وتجاهلت ذلك تماما زهاء ٣٧ عاما منذ انتفاضة يناير ١٩٧٧، التى أصابت النظام فى مصر بفوبيا «تحريك الأسعار».

القرار الذى اتخذته الحكومة، قالت إنه جاء بضوابط واضحة تستهدف فئات قادرة، مثل الذين كانوا يسخرون من قيمة فواتير استهلاك الغاز، وأنه لن يقترب من محدودى الدخل مطلقا، والأهم أنه يعرف العائد من تطبيق القرار الذى سيتجاوز المليار جنيه، والتى سيخصصها لتوصيل الغاز أيضا للفئات المحرومة منه حتى الآن، وهى فلسفة واضحة يمكن قبولها، كما يمكن رفضها أيضا، وهو ما ظاهر حتى الآن، فرغم نبل المقصد من تخصيص الزيادة بكاملها لمد الخدمة للمحرومين منها، إلا أن سؤال أساسى يطرحه الكثيرون، لماذا لم تفكر الدولة فى تدبير موارد لمد الخدمة لهؤلاء بعيدا عن زيادة أعباء على آخرين، يعتقد البعض أن الزيادة ستؤثر عليهم، طبعا غياب المعلومات الموثقة والدقيقة يجلعنا غير قادرين على حسم أو تقييم قرار الحكومة بالزيادة، وربما هذا سيتكرر فى قرار يتعلق بالأسعار طالما ظلت المعلومات الدقيقة غائبة عن الرأى العام، فعلى ما يبدو أن الحكومات لم تتعود بعد على المكاشفة والمصارحة، وهذا ما دفع البعض للاعتراض على زيادة أسعار الغاز رغم أن الحكومة حاولت التمهيد له إلى حد ما.

مشكلة قرار زيادة أسعار الغاز، أنه يأتى منفردا، دون أى إشارة فى أى سياق تأتى هذه الزيادة، وهل ستتوقف الأمور عند هذا الحد، أم أن هناك خطوات ستأتى لاحقا تتعامل مع قصة الطاقة، وهل هناك أصلا استراتيجية كاملة للتعامل مع هذا الملف محددة بجدول زمنى، أم أن ما يصدر هو ما يتيسر من قرارات ترى الحكومة أنها قادرة على تنفيذها حاليا ثم تترك الباقى لتوالى الأحداث، أعتقد أن ملف الطاقة، سواء توافرها أو تكاليفها، أمر من الخطورة أن يترك للصدفة أو لسير الأحداث وتتابعها، ولا يمكن تصور وجود حلول حقيقية ناجعة، إلا من خلال تصور على المستوى القومى، يشمل جميع الجوانب والتى تبدأ من ضرورة توفر الطاقة، فربما يغيب عن كثيرين، أن الطاقة متلازمة ضرورية للنهضة والتنمية، ولا يمكن حدوث نهضة إلا بتوافرها (أى كانت تكلفتها) والقدرة على الحصول عليها، ويكفى أن نذكر أن النهضات الكبرى فى أربعة أنحاء العالم ارتبطت ارتباطا وثيقا بوجودها، ويكفى أن نتذكر ماذا قدم اكتشاف البخار لأوروبا الحديثة؟

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.