يوميات طالب في مصر

محمد عبدالرحمن آل ثاني
محمد عبدالرحمن آل ثاني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

رأيتُ الرئيس محمد حسني مبارك كله نشاط وحيوية وينتقل من مكان لآخر، ويفتتح مشاريع كثيرة في قطاع النقل والطرق والجسور والمدن الجديدة، وكان مهتما بقطاع السياحة وكان يذهب بنفسه يزور تلك الأماكن ويقف عليها بنفسه، وشاهدته يلعب مع بعض السائحين الأجانب ويحدثهم بعفوية. كان خفيف الظل يتميز بخفة الدم، والجاذبية في حديثه، مهيبا في شكله وقوامه الرياضي، وصلابة عوده، شاب المظهر والأداء، لم تظهر عليه علامات الشيخوخة رغم تقدمه في العمر. متواضعا لا يميل إلى تضخيم الذات.

كان يستخدم بعض العبارات العامية حسب سياقات الحديث، في بعض المناسبات، فهو في كل سنة يلقي خطابا بمناسبة عيد العمال وغيرها من المناسبات، وفي إحدى تلك الخطب قال له أحدهم "السكر غلي ياريس" رد بسرعة بديهية "هو أنت يعني لازم تحبس بعد الأكل..". والصحافة في عهده كانت تتمتع بكثير من الحــريات إلى درجة أنهم وصلوا في السنوات الأخيرة إلى الهجوم على شخصه وعائلته وكان هو يتضايق من بعض الأعمال الصحفية التي تؤثر على سمعة مصر وعلى قطاع السياحة. وبهذه المناسبة تناولت الصحف جميعها حادثة اغتصاب فتاة العتبة في الأتوبيس (حافلة نقل عامة) هكذا أطلقت عليها الصحافة. وكانت قضية رأي عام حتى في الجامعة عملوا يوم مسيرة ونعشا وسرنا خلفه يرثون فيه الأخلاق والشهامة. والنعش يرمز لدفن الأخلاق والقيم، وأنها ماتت بين الناس. لم يعجب مبارك طريقة الصحافة في تناول هذه الحادثة، وفي إحدى خطبه كان يوجه حديثه للصحافة قائلا: أنتم تشوهون سمعة مصر في الخارج، من الذي سيسمح لعائلته بزيارة مصر بعد ذلك، لماذا لا تتأكدون قبل أن تطلقوا أحكامكم. وكان رافضا طريقة وأسلوب الصحافة في تناولها الحدث - الحقيقة ليس كما صورتها الصحافة، أنا لما سألت "واطقست" هكذا قالها، أحيانا يستخدم مفردات شعبية في سياقات معينة قد يقصد منها وصولها إلى قطاعات كبيرة من الشعب، الموضوع ليس كما روجت له الصحافة، مختلف تماما، ولم يكن هناك فيه اغتصاب ولا حاجة، وذكر رواية هو يرجحها. وفي إحدى اجتماعاته كان مع الفنانين، خرج ممثل مسرحي يلقي كلمة ومما قاله "لا أريد أن أخرج عن النص.." لم يتركها مبارك تمر، فعلق من فوره قائلا: "قول ما شئت أنت طول عمرك تخرج عن النص".

مبارك لم يكن زعيما ولا قائدا تاريخيا ولا يريد هو نفسه أن يلعب هذا الدور، كان يعمل من أجل مصر فقط وفي حدودها السياسية ولم يشغل باله بمسألة الزعامة ،الذي يلح عليه البعض في هذه المسألة ودور مصر القيادي والتاريخي، هو نفسه قال: لا أريد جغرافيا ولا تاريخ. وهو في هذا كان واقعيا أكثر بكثير من غيره الذين يتحاملون عليه في هذه المسألة. الرجل يعلم أن شعبه تعب، خرج من حربين كبيرتين، وخرج بعد ذلك باتفاقية سلام، وزعامة عبدالناصر جلبت إليه الفقر والهزائم السياسية والعسكريــة، نحن شعوب تعشق الانتصارات الكلامية ولو هزمت في ميادين القتال الحقيقية. ولا يريد أن يزج به في أتون حرب أخرى غير مستعدا لها. وكان يعمل وفق متطلبات الواقع والسياسة الواقعية، وفي إطار العمل الجماعي، لأنه عندما انفردت مصر باتفاقية السلام كانت المقاطعة من شقيقاتها ومصر دون شقيقاتها كالطائر دون جناحين لا دور لها في محيطها، وكالمشلول الذي لا يسعفه حتى العكاز. فمصر ليست شقية كبرى بمفردها، وإنما بغيرها، وهذا يجب أن يدركه الذين يخدرون الشعب البسيط بحصص الجغرافيا والتاريخ وكأن الشعب مازالوا تلاميذ يتلقون مادة التربية الوطنية. وعندما حصلت المشكلة الحدودية بين قطر والسعودية "الخفوس" وتدخلت مصر للوساطة وحلت المشكلة هنا سأله الصحفيون عن دور مصر في هذا الإشكال.. هنا رد على الفور وأغلق الباب في وجه من يعتقد أن مصر تلعب دورا قياديا أو زعامة قائلا لهم: احنا قربنا وجهات النظر فقط ومهدنا للاجتماع مع بعض ولا دور قياديا هنا لمصر ولا رئاسيا بل كان الجميع متفهما للمشكلة. والزعامة والقيادة لا تكون بالمواصفات الفردية للقائد فقط وإنما بمقومات ومصادر القوة للشعب، فإذا كان فقيرا في مواهبه ومهاراته وقدراته وعاداته وسلوكه، وهذه من المتغيرات التي قد تتغير من جيل وآخر. فمن المعروف أن الشعب المصري من أكثر شعوب العالم يهوى الشيشة ولذا تجد القهاوي منتشرة في طول البلد وعرضها وعلى الأرصفة ويسهرون حتى الصباح، وإذا وجد مكان خال شغل بقهوة تدار فيها الشيشة. هناك أحياء كاملة وحوار حولوا فيها الأرصفة لقهاو للشيشة ولعب الطاولة.

كما كان مبارك يهتم في خطبه بموضوع الزيادة السكانية ويربطها بالتنمية وكان يقول أي زيادة في التنمية لن تنعكس على المواطن مادام هناك زيادة سكانية في المقابل، ويحدث الرجل البسيط الذي عنده خمسة أو عشرة أبناء كيف سيربيهم وينفق عليهم جيدا. ويقول بالعامية "زيادة السكان راح تشفط الزيادة في التنمية ما فيش حل إلا الواحد يخلف ابن أو اتنين بالكتير عشان يعرف يوكلهم كويس يلبسهم كويس بدل الشرابات المقطوعة.. "، وفي هذا السياق أجرى برنامج تلفزيوني حوارا مع ممثل للحزب الوطني في إحدى المحافظات الريفية وكان يتطرق لهذا الحديث وكان هو يؤيد سياسة الحكومة بطبيعة الحال في مسألة الزيادة السكانية وتنظيمها وعندما سئل كم ابن عندك قال تسعة!؟. والدعاية في هذه المسألة باختلاف وسائلها من الصعب أن تؤثر في قطاعات كبيرة من الشعب حيث كان لي نقاش مع أحد الفلاحين حول هذه المسألة وكنت أتبنى وجهة نظر الحكومة وسياستها،لأحرضه على الكلام وكان يقول "الولد بيجي ورزقه معاه كل ده كلام فاضي" مع أنها كلمات قليلة وبسيطة إلا أنها تعبر عن عقيدة راسخة، الملايين يؤمنون بها، فهم يؤمنون أن الرزق ليس عند الحكومة، ولا يمكن أن تؤثر فيهم وسائل الدعاية فهي تصطدم بثابت. وبعضهم يقول "الأولاد عزوة" وهذا الحال يشمل حتى أبناء الفلاحين من الشباب الذي اكتسب بعضهم العلم.

وفي مطلع الألفية الجديدة كنت في زيارة إلى مصر كان كل شيء تغير شاهدتُ أحد رجال الأعمال في الشارع وتذمر الناس من ذلك حيث يسير في موكب كأنه رئيس دولة، والذين في الموكب -المرافقون- يصرخون على المركبات الأخرى بأن تقف ليمر الموكب. وصرخ علينا أحدهم "انتوا يابتوع المرسيدس.. ويشوح لنا بكلتا يديه" ومشروعاتهم في كل مكان، لكن لا يستفيد منها الفقير البسيط كان يقال ذلك. وفي إحدى خطب مبارك كان يتناول الصحافة والذين يهاجمون رجال الأعمال والفخامة التي تحيط بهم كان يقول: "يعني هو ده إذا ركب مرسيدس مهو دافع جماركها وإذا منح امتيازا فهذا مقابل المشاريع اللي بيعملها واللي بيستفيد منها الشعب هم بيعملوا بتلك المشروعات.." وكنت أتساءل هل يعلم الرئيس بحقيقة الحال، لأنه فعلا تشعر أن المجتمع محتقن.

*نقلاً عن "الراية" القطرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط