قصة سفينتين
يمكن الحكم على تقدم الدول والمجتمعات وإنسانيتها بموجب معايير عدة منها طريقة تعاملها مع ضحايا الحوادث الناتجة من خطأ بشري. حادث غرق العبارة الكورية الجنوبية "سيوول" كان نتيجة مجموعة من الاخطاء التي ارتكبها قبطان السفينة وطاقمها، وفساد إداري وتنظيمي. ولكن ما لفت انتباه العالم، هو رد فعل الشعب والحكومة على كارثة أدت الى مقتل 300 طالبة وطالب مدرسة ثانوية. ذوو الضحايا احتجوا بشدة على بطء عمليات الاغاثة وتأخر السلطات في شرح ما يجري وسارعوا الى مطالبة بمحاسبة المسؤولين من القبطان، الذي كان أول الهاربين من السفينة، الى الشركة المالكة التي خالفت أنظمة الملاحة. مسؤول المدرسة الذي رافق الطلاب ونجا من الغرق، انتحر بعد أيام ربما لشعوره بالذنب لأنه لم يغرق مع طلابه. رئيس الوزراء تشونغ هونغ - وون قدّم استقالته بسبب "المشاكل الكثيرة" التي برزت خلال عمليات الإنقاذ الأولية و"المشاكل التي كانت موجودة قبل الحادث"، في إشارة الى الفساد ومخالفة الانظمة. والرئيسة بارك غون – هاي اعتذرت للأمة قائلة: "لا أعرف كيف اعتذر عن الأخطاء التي لم تمنع هذا الحادث، والرد الأولي غير المرضي". ورأت أن السلوك المشين لقبطان السفينة يرقى الى مستوى ارتكاب جريمة.
فلنعد الى الوراء وتحديداً الى 2006، وننظر الى طريقة تعامل مصر كدولة وكمجتمع مع حادث غرق السفينة "السلام بوكاتشيو 98" في البحر الأحمر والتي قضى فيها 1033 شخصاً معظمهم من الفقراء. وأسباب الغرق كانت أيضاً مجموعة من الأخطاء التي ارتكبها القبطان وطاقم السفينة وفساد إداري وتنظيمي واسع، كما كان القبطان أول الفارين. ذوو الضحايا أيضاً احتجوا وهاجموا المسؤولين، لا بل أطلق بعضهم هتافات معادية للرئيس المصري في حينه حسني مبارك. لكن الكارثة وثمنها الانساني الرهيب لم يهزا الدولة والمجتمع في مصر كما في كوريا الجنوبية. ردود فعل الحكومات المصرية على ضحايا الزلازل أو حوادث القطارات أو الأبنية التي تنهار، وخصوصاً إذا كان الضحايا من الطبقات الدنيا والفقيرة، كانت دوماً تتسم بانعدام المسؤولية.
مالك السفينة، الذي كان عضواً في مجلس الشورى ومقرّب من مستشار للرئيس مبارك، والذي هرب من مصر بعد الحادث، بريء وأربعة آخرين لاحقاً من تهم القتل غير المتعمد. وحتى مجلس الشعب المصري، الذي كان يفعل ما تريده السلطة آنذاك، اضطر الى اجراء تحقيق، دان فيه "التواطؤ الخبيث" بين الشركة ومسؤولين حكوميين. الا أن تقرير المجلس لم يذكر اسم الرئيس مبارك. المعلّق سلامة أحمد سلامة كان محقاً عندما اتهم السلطات بالعجز والاخفاق وقسوة القلب وعدم الاهتمام بمشاعر آلاف المواطنين الذين خسروا احباءهم. هذه قصة سفينتين ومجتمعين وثقافتين.
نقلاً عن "النهار"