.
.
.
.

الفتوى والتقوى

صالح الشايجي

نشر في: آخر تحديث:

حرب «داحس والغبراء» ليست استثناء في التاريخ العربي، بل هي القاعدة التي تم تطوير الوضع العربي على أساسها.

تتنوع الحروب وتأخذ أشكالا وأنماطا عدة، حروب بالسيف والخيل والمنجنيق والرماح التي تقطر دما، وحروب بالطائرات والمدافع والبوارج، والهدف واحد، قتل وهدم، وخسارة هنا ونصر هناك، أمهات ثكالى وزوجات أرامل وأطفال يتامى.

هنا حيث المنتصر زغاريد تتعالى وطبل ومزمار، وهناك حيث المهزوم بيارق سود تعتلي سطوح البيوت وناس يغرقون في الحزن.

هذه هي الحال العربية على مر القرون، حتى وصلنا إلى زمننا هذا، الذي جعلنا نترحم على «داحس والغبراء» وأيامها.

كنا في «داحس والغبراء» واحدة فصرنا في «دواحس وغبراوات» كثيرة، ففي كل يوم، وفي كل بلد عربي «دواحس وغبراوات»!

كالغراب الذي أضاع مشيته ومشية الحمامة، هكذا نحن، لا نعرف كيف نمشي، وإلى أين نمضي، وعلى أي درب نسير؟!

عرفنا الاستعمار ثم ثرنا ضده، لأن «جحا أولى بلحم ثوره»، بلادنا لنا وخيراتها لنا، ولا ولن نسمح لمستعمر أو محتل باستغلال خيراتها والتحكم فينا!

وجاء الاستقلال، وتثبتنا من حكم البلاد، وصارت «خيراتها» لنا! وصار حاكمنا «منا وفينا»، ابن جلدتنا، وابن ديننا، وابن وطننا، يهرف مثلنا بما لا يعرف، يتكلم بلغتنا، ويأكل مما نأكل، ويلبس مما نلبس!

وحين تمكن حاكمنا «الوطني»، وتأكد من ثبوت الكرسي وقوته، استدار علينا والتف في حركة مفاجئة، فصرنا نحن الأعداء لا المستعمر المولي الأدبار!

فترحمنا على المستعمر الذي اكتشفنا أنه كان أحنّ علينا وأرفق بنا من ابن جلدتنا وحاكمنا الوطني المهذار المكثار الوعود وصفصفة الكلام وتزويقه وكأنه يزفه إلى عروس بلهاء تنتظر بصمت تحت جنح الظلام فارسها الذي سيحملها على فرسه البيضاء!

سمعنا بالديموقراطية فقلنا: ونعمت هي، الشعب يحكم نفسه بنفسه، وصارت أكثر دولنا ديكتاتورية، تصر على تسمية نفسها بالديموقراطية!

اليمن الجنوبي الأحمر كان «ديموقراطيا»، رغم السجون والمنافي وتصفيات رفاق الدرب واقتتال الأشقاء!

وجمهورية القذافي، أو «جماهيريته العظمى» كانت ديموقراطية أيضا، والعراق وجمهورية عبدالناصر وجمهوريات البعث في سورية، كلها كانت جمهوريات ديموقراطية!

وجاء «الربيع العربي يختال ضاحكا» فعرفنا ديموقراطية الأديان والمذاهب، وكثرت الفتاوى في ديموقراطيات الربيع العربي، ولا يُدقّ لوح بمسمار إلا بفتوى.

انتشرت الفتوى وقلت التقوى!

فـ «يا داحس والغبراء» عودي!

نقلا عن صحيفة "الأنباء الكويتية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.