محامو المرأة أسوأ من أعدائها
ترددت في أوج الاهتمام بالقضية الفلسطينية مقولة كانت في غاية الحكمة:(أعدل قضية في يد أسوأ محامي).
تكاد هذه المقولة تصف حال صراع المرأة السعودية من اجل حقوقها. لكي ندرك ذلك علينا أن نقرأ جيدا مطالب المرأة السعودية ونزن كل مطلب على حدة ثم نسأل: ما الفرق بين أن يسمح لك القانون بأكل اللحم، وبين أن يسمح لك أن تكون عضوا في مجلس الشورى؟
قد يبدو السؤال لا عقل له، ولكنه الحقيقة الماثلة في فوضى مطالب المرأة السعودية.
ثمة فرق كبير بين الحقوق وبين الوجود. أن تكون عضوا في مجلس الشوري هذا حق أما أن تأكل اللحم أو الخضار فهذا وجود. أن تطالب المرأة بالسماح لها بقيادة السيارة أو متابعة أمورها في المحاكم أو الدوائر الخدمية بلا وكيل أو أن تأكل في مطعم وحدها فهذه ليست حقوقا بالمعنى الحديث للحقوق بل متطلبات طبيعية كشرب الماء والتماس الدواء والإنجاب وغيرها من سائر المتطلبات الأساسية لضمان بقائها على قيد الحياة دون عون من احد. مع الأسف محامو المرأة والمرأة نفسها حولوا هذه المطالب التي يهبط بعضها إلى مجرد مطالب بيولوجية إلى مطالب حضارية بخلطها مع مطالب سياسية أو عصرية أو حتى ترفيهية تصارع من أجلها المرأة في كثير من الدول بما فيها الدول الغربية.
تقرأ اليوم لكاتب مقالا يطالب فيه أن تسند حقيبة وزارية للمرأة وفي اليوم التالي تقرأ له مقالا يطالب فيه بأن يحق للمرأة السفر دون تدخل موظف الجوازات، وكأن المطلبين متشابهان، أو بعبارة أخرى كأنهما حقان مدنيان من متطلبات الحضارة الحديثة. يضعهما في إلحاحه على ميزان واحد.
أن تتقلد المرأة منصبا وزاريا رفيعا فهذا اعتراف بأهليتها العلمية وخبرتها في إدارة الأمور المعقدة ولكن أن تطالب بالسماح للمرأة أن تقود سيارتها بنفسها كأنك تطالب السماح للمرأة بأن تأكل لحما أو خضارا. فالمطلب الأول (أن تصبح وزيرة) يحتاج إلى خبرة سواء بالنسبة للرجال أو النساء أما المطلب الثاني فلا يحتاج إلا إلى أن يكون صاحب الطلب إنسانا. فرق بين تحقيق الذات والمشاركة في صنع المصير، وبين الحقوق البدهية المتصلة بحقي في العيش. محامو المرأة يخلطون بين حق المرأة في العيش الكريم، وبين حق المراة في المشاركة في الحياة السياسية.
لنفهم الفرق علينا النظر إلى المقيمين في المملكة. فهؤلاء بشر لهم متطلبات إنسانية لا يمكن حرمانهم منها لمجرد أنهم لا يتمتعون بالجنسية السعودية ولكن يحق للقانون حرمانهم من بعض الحقوق الأخرى المقتصرة على المواطنين. فالفرق يكمن في الفرق بين الحقوق السياسية، وبين الحقوق الإنسانية. فالرجل غير السعودي لا يحق له أن يترشح لمجلس الشوري ليس لقلة الكفاءة أو دونيته الإنسانية ولكن لأن القانون المعمول به لا يسمح بذلك أما إذا تقدم لطلب رخصة قيادة فمن حقه الحصول عليها دون منازعة. فما يمنع المرأة من تسلم منصب وزاري هو قانون اجتماعي نسعى لإزالته بالتدريج وبزيادة جرعات التعليم وغيرها أما ما يمنع المرأة من ممارسة حياتها الطبيعية فهو انتهاك للقانون الطبيعي. فرق كبير بين أن تحبس حق الإنسان السياسي وحقه الطبيعي. في الأولى تنتهك حقوقه السياسية وفي الثانية تنتهك حقوقه الطبيعية.
استطاع خصوم المرأة خلط الأمرين وكأنهما شيئان متماثلان. كأن المطالبة أن تكون المرأة وزيرة لا تختلف عن المطالبة بأن تتخذ المرأة قرار السفر دون مرجعية ذكر.
المحامي الجيد هو الذي لا يسمح لخصمه بصياغة مرافعته نيابة عنه..
*نقلاً عن "الرياض" السعودية.