.
.
.
.

احترام الرأى العام

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

من الأمور اللافتة للانتباه، أن قيادات الدولة وأجهزتها التنفيذية، باتت تضع فى حسبانها الجماهير فى كل خطواتها وقراراتها، حتى لو كان هذا (الحُسبان) لم يأخذ شكله الجدى الكامل حتى الآن، فنلاحظ أن الحكومة كلما قررت الإقدام على فعل تعتبره كبيرا أو مختلفا أو يبدو أنه مختلف عليه، تدعو لحوار مجتمعى قبل اتخاذ قرارها، ورغم أن طريقة الحوار المجتمعى والاعتداد بنتائجه مازالت بعيدة عن جوهر الحوار والهدف منه، فإن وضع الرأى العام فى المعادلة السياسية فى حد ذاته تقدم لا بأس به بالمرة، وهى أمور لم تكن من ضمن ميكانزمات حكومات ما قبل الثورة، حيث كانت القرارات تصدر مثل الصدمات الكهربائية، وعلى الجميع الامتثال لها بغض النظر عن رأيه فيها أو موقفه منها، ولا يبقى فى هذا السياق، سوى الإمساك بالفكرة وتطبيقها بجدية، والتمسك بنتائج الحوار وإدخاله ضمن مكون أى قرار كبير ترغب الدولة أو الحكومة فى إصداره، وهذا هو دور المجتمع المدنى ووظيفته حاليا، خصوصا الأحزاب السياسية التى عليها الحفاظ على مثل هذه المكتسبات وعدم السماح لها بالإفلات من المواطنين لأى سبب من الأسباب.

على سبيل المثال، كانت اللجنة القانونية التى شكلها الرئيس عدلى منصور ترغب فى تعديل قانون الانتخابات البرلمانية فى صالح النظام الفردى، وبدا أن القطاعات المعنية بالأمر غير مرحبة بهذا الاتجاه فى التشريع، فما كان من اللجنة، إلا استجابة سريعة وفورية على مستويين، الأول أنها اتجهت من تلقاء نفسها لإقرار النظام المختلط (فردى وقوائم) وثانيا قررت طرح ما ستتوصل إليه للنقاش المجتمعى، قبل الموافقة النهائية على القانون، مع الإشارة الواضحة إلى أنها ستتفاعل مع ما سيخلص إليه هذا النقاش، وهو أمر لم نلحظه فى إصدار كثير من القوانين الأخرى، وبالطبع ليس ذلك هو الطموح، لكنها خطوة جيدة على طريق ديمقراطية، نعرف جيدا أنها لن تولد بسهولة، ولا يمكن أن نحصل عليها، إلا بعد جهود وضغوطات من قوى قائدة لهذا المجتمع وحريصة على مصالحه.

التطور المهم فى هذه القضية، أن الرأى العام بدأ بالفعل الاستجابة لمثل هذه الخطوات، وبدأ عمليات متابعة واسعة لكل ما يشغله أو يهمه، وبعض قطاعات الرأى العام بدأت تشارك بشكل أو بآخر، فى النقاش الخاص ببعض القضايا، واللافت للنظر فى مشاركاتهم، كما قال لى الدكتور عادل عبدالغفار أستاذ الرأى العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن اتجاهات الرأى العام أصبحت واعية جيدا بمصالحها، وأن التغير الأهم فى هذا الوعى، والذى تعلمته عبر السنوات الثلاث الماضية، مدى ارتباط ما ترغبه بالواقع، وأن الرأى العام صار رافضا بطريقة آلية، لكل ما يعتقد أن يتنافى مع الواقع، أو لا يستقيم مع طبيعة التغيير الذى ترغبه القطاعات المؤثرة فى الرأى العام، وهذا يضع أى مسئول فى إطار لا يستطيع تجاوزه، ولن يتمكن أحد من خداع الرأى العام، فقط بات المطلوب الآن الاستماع جيدا لأصوات الرأى العام واحترامها، لأن الشعب فعلا، بات هو السيد، حتى لو لم يقتنع بذلك من هم فى سدة السلطة، فما كان ممكنا قبل سنوات، صار مستحيلا الآن، وأن طريق الخداع قد تم غلقه لأجل غير مسمى، ومن الأفضل أن يفهم كل من فى السلطة، أو من يرغب فى الالتحاق بها، أنه جاء فعلا لخدمة هذا الشعب. والله مصر تغيرت لو كنتم لا تعلمون.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.