.
.
.
.

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

ما يطمئن فى المشهد العام الذى تعيشه مصر هذه الأيام، أن هناك اعترافا عاما بأن الوضع سيئ وردىء على جميع المستويات، ويذهب البعض إلى أنه أيضا وضع خطير تجب معالجته بشكل سريع، خاصة فى الجوانب الاقتصادية التى بدأ المواطنون فى الإحساس بها، حتى إن المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء اعتبر عدم البدء فى عمليات الإصلاح الاقتصادى خيانة لا تغتفر، وأكد أنه لن يسمح بذلك، وبصيغة أو بأخرى، كان ذلك أيضا ما صدر عن المرشحين الرئاسيين، حمدين صباحى وعبدالفتاح السيسى، مما تيسر من حواراتهما حتى الآن، وكذلك من ملامح برنامجيهما الانتخابيين، مع وعى الجميع بأن خارطة الطريق أو خارطة المستقبل، لم تكن سوى خارطة إجرائية لإعادة بناء النظام السياسى المصرى، دستوريا ورئاسيا ونيابيا، ولم تتضمن هذه الخارطة أى حلول لمواجهة المأزق الاقتصادى كما أنها لم تتضمن خطوطا واضحة لحلول سياسية لما تمر به البلاد، وصارت القصة كلها مؤجلة لحين انتخاب رئيس، بعد التبكير بالانتخابات الرئاسية على حساب الانتخابات البرلمانية كما كان مقررا من قبل، فقد كانت هذه الخارطة معنية بالأساس، بأزمة الحكم، ولم تقترب من بقية الأزمات (سوى إشارة إلى ضرورة ضبط الإعلام عبر وضع ميثاق شرف إعلامى لم يتحقق حتى الآن) قفد كان هم الأمن أكبر من أى هموم أخرى، وإن ظلت الهموم الأخرى هى مربط الفرس وما يتتوق الناس إليه دوما، بل كل محاولات التغيير، عبر جميع الموجات الثورية كانت من أجل حياة أفضل، وفى مقدمتها حياة معيشية محتملة، ومقبولة.

لكن الاعتراف بسوء الوضع، للأسف الشديد، لم يتبعه تفصيل لهذا الوضع أو تفسير له، ولم يكشف عن التشخيصات المختلفة له، وأسباب وصولنا إليه، هنا أتصور، بدوافع علمية بحتة، ضرورة فهم ما جرى، والاستغراق فيما يمكن أن نطلق عليه «جرد مصر» عملية واسعة لمعرفة أدق تفاصيل كل قطاعات الدولة، وحصر ثرواتها ومديونياتها، وأصولها، وقواها البشرية، والعجز الموجود فى كل قطاع، ماليا وبشريا، وحصر الأوجاع المزمنة والأورام الخبيثة التى عشعشت فى كثير من مؤسساتنا، وغنى عن القول، أن عملية الجرد هذه يجب أن تتسم بدقة متناهية، وتبتعد تماما عن عمليات التجميل، لمجاملة بعض المسئولين، وتبتعد أيضا عن تعظيم السلبيات لتجريح مسئولين آخرين، فمثل هذا النوع من الجرد يجب أن يكون منزها عن الأهواء الشخصية والأحقاد التاريخية، فمراجعة الحالة الاقتصادية يجب أن يستهدف إصلاحها، لا معايرة نظام أو رحال، هم بالضرورة غادروا المشهد بلا رجعة.

لا أتصور إصلاحا اقتصاديا حقيقيا، دون إتمام هذا الجرد وفرز الحالة على المشاع وأمام الرأى العام، وأتصور أيضا، أن الوضع ليس بالسوء الفاحش كما يحاول البعض رسمه والترويج له، فعلى سبيل المثال، أعرف جيدا أن القطاع الزراعى مستمر فى النمو بشكل طيب رغم أزمات السنوات الثلاث الماضية، على العكس من القطاع الصناعى الذى وصل لحالة يرثى لها ويحاول البعض تجميله، باعتبار أن أعلامه من أصحاب السطوة والنفوذ، كما أن قطاع الاتصالات بخير، وإن كان قد تراجع قليلا خلال سنوات الثورة، هنا فقط الجرد هو الذى سيمنحنا الصورة التشخيصية الحقيقية التى ستساعدنا على وضع الروشتة السليمة لعلاج كل ما نعانى منه، كما أعتقد أن عمليات الجرد هذه ليست بالعسيرة أو المستحيلة، وإنما فقط تحتاج لكفاءة وضمير ووطنية، وأخيرا أرشح حكومة محلب للقيام بهذه المهمة، لتسليم النظام الجديد حالة الوطن، حتى نستطيع على الأقل أن نقيس قدرته على الإنجاز ونتمكن من محاسبته بعيدا عن «الزعيق» السياسى، والمهاترات العصبية التى شوهت وشوشرت على كل تقييم أو حساب، أردناه لأى مسئول أو رئيس، ففى نهاية الأمر نحن الخاسرين.

نقلاً عن "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.