.
.
.
.

رهان الثورة الدائم

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

اليوم ينتهى تصويت المصريين فى الخارج لثانى انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير وثانى استحقاقات خارطة الطريق، وسابع دعوة عامة للتصويت (ثلاثة استفتاءات على الدستور، ودعوتان لانتخابات رئاسية، وواحدة لمجلس الشعب وأخرى للشورى) ولا يمكن التعبير عن كثرة دعوات التصويت العامة إلا بارتباك مسار الثورة، ووضوح الصراع على السلطة، والأهم عدم الاتفاق على المستقبل، وربما يستفيد الاستحقاق الرئاسى الحالى من خبرات الاستحقاقات السابقة، والتى فهمت جيدا أنه لا يمكن أبدا أن يكون التصويت بعيدا عن المستقبل أو مغيبا عن الصالح العام، كما تراجعت تماما التنافسات الأيديولوجية التى كانت واضحة فى الاستفتاء الأول (تعديل دستور ١٩٧١ فى استفتاء مارس ٢٠١١ الشهير) لحساب ما يعتبره جمهور الناخبين استقرار الدولة، بعد أن داهمتهم مشاعر هدمها عبر حكم مرتبك لجماعة الإخوان، التى تحدثت أكثر مما فعلت، وتبنت أخطاء لم ترتكبها، وصدرت كل ما يقلق ويفزع المصريين، رغم أنهم كانوا يعبرون عن مواقف انتهازية أكثر مما كانوا يرغبون فى فعل ما كانوا يتحدثون عنه، وذلك تحديدا بات المنطلق الأول لجموع الناخبين الراغبين فى التصويت لاستقرار الدولة ورفض الفوضوية التى تجلت فى ظلال حكم الإخوان.

وبالرغم من أن كتلة تصويت المصريين فى الخارج لا تعتبر كتلة مؤثرة فى النتيجة النهائية لأى استحقاق انتخابى، إلا أن إصرار هؤلاء البعيدين عن الوطن لظروف عملهم، أو لاختيارهم الحياة فى بلدان أخرى، ولو مؤقتا، يكشف مدى الانشغال بضرورة المشاركة فى عملية التغيير التى تجتاح مصر منذ أكثر من ثلاث سنوات، مع إدراك جديد بأهمية التعبير عن آرائهم، وكلها أمور لم تكن موجودة قبل ٢٥ يناير، حيث كانت الغالبية غافلة عما يجرى فى بلاط السلطة، أو كافرة باستبداد النظام السابق وبتزويره لكل شىء، ومن هنا يبدو تمسك الغالبية، وفى مقدمتهم من يعيشون بعيدا عن الوطن، بالإسهام فى تشكيل نظام الحكم الجديد، حتى لو بدت انحيازاتهم لشكل السلطة التقليدى الذى اعتادت عليه مصر، فهذا فى حد ذاته قرار واختيار حتى لو لم يكن على هوى البعض.

أما اللافت للنظر حقا فى عمليات تصويت المصريين فى الخارج خلال الأيام الماضية، أن الرأى العام لم يلتفت مطلقا لاتجاهات التصويت خارج البلاد، أو عدد الأصوات التى حصل عليها هذا المرشح أو ذاك، بل لم ينشغل أحد بالسؤال عن ذلك، وتقريبا خلت وسائل الإعلام من هذه التقديرات، والتى كانت مشغولة بها، ساعة بساعة، فى الانتخابات الرئاسية الماضية، فقط انشغل الجميع بنسب المشاركة بغض النظر عن اتجاه التصويت، أى أن هناك حالة رضا عن المرشحين المتنافسين، وهو استمرار لذات الحالة التى واكبت إعلان الراغبين عن الترشح للرئاسة، فقد كان كل ما يشغل غالبية الناخبين، أن يكون الراغبون فى الترشح لا علاقة لهم بأنظمة الحكم السابقة (الحزب الوطنى/ الإخوان المسلمين) وأعتقد أن ذلك يفسر بشكل كبير برودة الانتخابات الرئاسية، لأن الفائز بالضرورة سيكون غير منتمٍ لأى طرف من الأطراف التى رفضها الشعب ولا يرغب فى رؤيتها من جديد بمقاعد السلطة.. فمازال هناك استعداد لاختبار نظام جديد وتحمل نتائج حكمه، أى أن الرغبة فى التغيير مازالت قائمة، فهذا هو رهان الثورة الدائم.. وامتحان الرئيس القادم.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية.

www.shorouknews.com/columns/view.aspx

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.