.
.
.
.

معركة الصبى الصغير

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

لم أفهم سر ذلك الهجوم الإعلامى الشرس على مواطن من المفترض أنه مازال فى سن الطفولة وفقا للدستور المعمول به فى البلاد، كما أن هذا المواطن / الصبى، متفوق علميا صاحب إنجاز ما، قدرته شركة عالية كبرى، وحينما تم منعه من السفر للمشاركة فى المؤتمر المنشود وتحقيق حلمه، للحق انتفض الإعلام من أجل سفره ودافعوا عن حقه فى ذلك وطالبوا بضرورة تذليل كل العقبات، حتى لو كان فى ذلك إجراء استثنائى، وأعتقد أنه كان من المتوقع أن يكون هناك من وراء هذا الشاب من سيدفعونه ليفعل ما يفعل، وليقول ما يقول، وهذا ذنبهم وليس ذنبه، والإعلام يعرف ذلك، فبحكم القانون فالصبى غير مسئول، قانونا عن مثل هذه التصرفات، وللأسف أنا لا أعرف على وجه الدقة ما هى التهم الموجهة إليه، أو ما هى جريمته المطلوب فيها للمحاكمة، لكنى أعرف على وجه اليقين أن الدخول فى معركة مع هذا الصبى هو عيب ولا يليق بمارد مثل الإعلام أن يتخاصم مع هذا الغض الصغير.

هذه الحكاية تكشف العوار الذى يرتكبه الإعلام فى صراعاته وتوازنات هذه الصراعات، والتى فى الغالب تكون مختلة، ومخلة بقواعد المهنة ومواثيقها وشرفها، وقد شهدنا طوال السنوات الماضية تكرار هذه النوعية من الصراعات، ليس فقط فى السياسة كما هو متوقع، بل فى كافة المجالات، وكثيرا ما شهدنا قنوات تتعارك مع ناشئ يلعب الكرة، خانه تعبير أو أفلتت منه كلمة بحكم سنه أو غضبه من حكم أو من مدرب، أو فنان أو فنانة فى بداية المشوار يجد نفسه تحت مقصلة الإعلام لأنه تجرأ وقال كلاما ليس على هوى أباطرة الإعلام، وبالمناسبة لا أستثنى أيضا الإعلام الاجتماعى من ارتكاب مثل هذه الجرائم، وأحيانا تكون قسوة الإعلام الاجتماعى أشد فتكا من الإعلام التقليدى، ربما تكون الضحية قد أخطأت، أو تجاوزت حدودها وهى تشتبك مع المجال العام، لكن وسائل الإعلام أيضا تكون قد أخطأت، وغالبا خطأها يكون كبيرا.

لا أعتقد أن أى دولة، أو نظام حكم قادر على ضبط الإعلام، حتى لو فعل ذلك سيكون إجراء فوقيا غير مفيد بل على العكس سيكون ضارا بالإعلام وربما يزيد من أزمته ويعظم من كارثيته، لذا المسئولية كلها تقع على عاتق الإعلام الذى بات يخسر كثيرا من مثل ممارسات معركة الصبى المخترع، وربما يجد نفسه فجأة مع معركة قديمة أعتقد أنه أنجزها وفاز بها وهى معركة حريته، والتى باتت تشهد تراجعا حادا وللأسف بأيدى الإعلاميين حتى هذه اللحظة، مع تصاعد احتمالات بأن تكون بيد غيرهم فى المستقبل القريب، وقد يرى البعض أن معركة مثل معركة الصبى الصغير معركة جانبية لا قيمة ولا تأثير لها، رغم أنها فى المتن من معركة مصداقية وأخلاق الإعلام أمام الرأى العام، المصداقية التى تتآكل يوما بعد آخر، والأخلاق التى باتت على شفا الانهيار، بينما يعتقد الإعلام أنه البطل المخلص المنقذ المغوار حامى الحمى!!.

* نقلا عن "الشروق المصرية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.