.
.
.
.

ثم ماذا بعد؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

انتهت المعركة الانتخابية الرئاسية بحلوها ومرها، ولكن أهم ما فيها ما تعطينا إياه من دروس نتعلم منها كيف نقترب من الفكرة الديمقراطية التى يحزن كثير من المصريين عندما يقال إنهم يحتاجون فترة زمنية حتى يستوعبونها.

رد الفعل الغاضب دائما يستحضر ادعاءات المستشرقين والطغاة التى تصر على أن الشعوب العربية والإسلامية ليست جاهزة بعد لهذا النظام السياسى المعقد القائم على المشاركة والقدرة على التقدير والاختيار. لكن المسألة هكذا تمثل أفكارا عنصرية أكثر منها تحض على أهمية نظام سياسى بعينه لتقدم الأمم، فما حدث فى تاريخ البلدان الديمقراطية كلها أنها حصلت على صورتها الحالية عبر عملية تاريخية طويلة كان «التعلم» و«التدريب» ومجاهدة الذات أهم ما فيها.

فلم يكن النظام السياسى الأمريكى ديمقراطيا فى البداية لأنه أقر على استمرار العبودية حتى مع الثورة التى قام بها فى الفكر الديمقراطى، ولا كان كذلك لأنه مع أول هبات الثورة الفرنسية على الساحل الأمريكى إذا بجورج واشنطن يصدر قانون «الفتنة والغرباء» الذى ضغط بشدة على حرية التعبير. ولم تكن بريطانيا ديمقراطية حتى أعطت «الكاثوليك» حق التصويت عام ١٨٢٦، وبعد ذلك المرأة ومساواتها بالرجال فى جميع الدول «الديمقراطية». لا نريد الإغراق فى التفاصيل التاريخية ولكن الديمقراطية لا تحدث ولا تستقر إلا عبر عملية تعلم طويلة، وهذه للأسف لم نحاول أبدا أن نسير فيها ومن ثم باتت كل محاولاتنا منقوصة أو مغدورة وفى أعقابها فإن الشرعية تكون موضع تساؤل لأن أمرا أو أمورا كان مفقودا.

الانتخابات الأخيرة كانت معملا كبيرا نتعلم منه لكى نؤكد على فضائلها، ونتلافى مثالبها، فمن المؤكد أن «صندوق الانتخاب» بات واحدا من أدوات الاختيار فى مصر. سوف يكون هناك كثير من الشكوى من المنظمات الحقوقية المصرية لأن الانتخابات المصرية لم تسر وفق قواعد الانتخابات السويسرية، وهذا صحيح. المنظمات السياسية الأجنبية التى تراقب سوف تجد معضلة فى فهم تلك الحالة «الكرنفالية» فى الانتخابات المصرية من رقص وغناء وزغاريد والهياج التليفزيونى، وطيب النية منهم سوف يعتقد أنها حالة «ثقافة» لها مفرداتها، أما سيئ النية فسوف يجدها ببساطة «تخلف» عميق عن الحالة الديمقراطية.

ما يهمنا ليس هذا وذاك، ولكن استمرار تلك الحالة من النشوة حول «العرس الديمقراطى» الذى ساد فى اليوم الأول للانتخابات، ليس فقط يذكر «بأزهى عصور الديمقراطية» فى الماضى، ولكن لأن الانتخابات ليس لها علاقة بالعرس، فهى لحظة للمسؤولية الوطنية، والمحاسبة لما مضى، والاستعداد لما هو آت؛ باختصار لحظة من الوجل قبل الدخول فى مرحلة جديدة. وعندما يكون الأمر مرتبطا بنهاية مرحلة انتقالية ثالثة فى حياة أمة فإن المسألة بأسرها تكون بالغة الجدية.

وأحد أبعادها أن لكل انتخابات ظروفها الخاصة التى لا يمكن فى إطارها المقارنة بانتخابات حتى تستقر الأمور وتصير فى هذه الحالة «تقاليدا» ديمقراطية. انظر فى الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٢ بدأت بعدد من المرشحين بلغ ٢٦ مرشحا كلا منهم له أنصاره وموطنه الانتخابى وربما ظهير سياسى صغر أو كبر؛ وأخذت المسألة كثافة أكبر وأكثر جدية عندما انخفض العدد بعد قرارات الهيئة العليا للانتخابات إلى ١٣، حاز خمسة منهم على أكثر من مليون صوت، ثم بعد ذلك أصبحت المعركة بين مرسى وشفيق لكى يحصل كل منهما فى النهاية على أكثر من ١٢ مليون صوتا.

العملية كانت تصاعدية، وكان الإخوان وتنظيمهم السرى والعلنى وراء مرسى، والحزب الوطنى وارتباطاته المتشعبة فى المجتمع والدولة مع شفيق، وراح السلفيون وراء عبدالمنعم أبوالفتوح، واليسار وراء حمدين صباحى، والنخبة الليبرالية وراء عمرو موسى. البقية من المرشحين ظهرت هامشيتها، والشباب ثبت أنه ربما يكون جيدا فى «سياسة» الميادين، والثورات، ولكن فى سياسة التقاليد الديمقراطية فإنهم يكتفون بعصير الليمون.

الزمن هذه المرة بات غير الزمن، وربما كان الأستاذ حمدين صباحى هو الذى أنقذ المستقبل الديمقراطى للبلاد بترشحه للرئاسة، لأن الشعبية الطاغية للمشير السيسى خلقت حالة من اليأس المبكر لدى جماعة من المرشحين، ظهرت معادنهم ومدى صلابتهم فى رؤية الانتخابات ليس فقط مناسبة للفوز بمقعد الرئاسة، وإنما لحظة لإظهار فكر يرونة ضروريا لبناء الدولة وفى حالتنا إنقاذ الوطن.

وهكذا باتت مساحة الاختيار، ومعها كثافة المشاركين، أضيق مما كانت، خاصة أن صاحب الشعبية الكبرى لم يكن وراءه حزب أو جماعة سياسية بعينها سوى قطاعات كبيرة من الشعب التى قد تكون متحمسة للغاية، ولكنها سائلة ومزاجية، والتزامها لا يتأثر بالحماس وحده، وإنما بحالة الطقس، وأيام الإجازات، ومواعيد السفر. والمدهش أنه فى هذه الحالة التى انكمشت فيها السياسة، إذا بقانون الانتخابات الرئاسية يكون مقيدا للغاية، فلم أفهم أبدا لماذا تقتصر الدعاية الانتخابية على ثلاثة أسابيع، وما معنى أيام الصمت الانتخابى، ولماذا لا يدخل شخص إلى اللجنة الانتخابية واضعا على صدره صورة مرشح، وما هى المشكلة العظمى فى الغناء أو النداء على الناس للمشاركة.

بالطبع فإن لكل ذلك حكمة ما، ولكنها على الأغلب مقيدة، وفى الواقع ليس لها قيمة عملية لأنه سيتم اختراقها، والأخطر من ذلك أنها تتصور مواطنا معقما سياسيا يجلس مثل الرهبان مع نفسه لكى يتخذ قرار التصويت، ومن ثم وجب إبعاد كل المعاصى والخطايا السياسية عنه، لأن النفس كما نعلم أمارة بالسوء. وفى بلد مثل مصر لا يزال يحبو ديمقراطيا، فإنه يحتاج لأكبر قدر من البساطة فى الإجراءات، ليس فقط حتى يفهمها الشعب، والأجهزة الأمنية، وإنما أيضا تلك القضائية التى عليها أن تقوم بما لا يقوم به جهاز قضائى فى بلد ديمقراطى وهو الإشراف على العملية الانتخابية، ومراقبة كل صندوق، وبعد ذلك الحكم فى الطعون أو التظلمات بشأنها. وربما كان الأهم من ذلك أنه لا يمكن تهديد الناس بالغرامة أو إغرائهم بالإجازة حتى يصوتوا، فالانتخابات هى حالة اختبار للشعب كما هى للمرشحين؛ ولا يمكن بينما العملية الانتخابية قائمة، أن تجرى تغيير قواعد المباراة بينما هى سارية بالفعل. فلا يجب فى ديمقراطيتنا المقبلة أن نسمح بإجراءات لم يتم اتخاذها مسبقا قبل الانتخابات، مثل إعطاء يوم الانتخاب إجازة بعد أن تقرر أن البلد لا بد أن تعمل حتى وهى فى حالة انتخابية، ولا يمكن مد فترة الانتخابات يوما آخر بإعلان مع منتصف الليل الانتخابى.

أخشى ما أخشاه أننا على وشك أن نرتكب نفس الأخطاء فيما يتعلق بانتخابات مجلس النواب، لأننا ببساطة مهتمون بإرضاء جميع الجماعات السياسية بأكثر من اهتمامنا بأن يقوم هذا المجلس بوظيفته التشريعية على أكمل وجه أو إلى المدى الذى يساهم فى رقى هذا الوطن ورفعته. فلا يمكن لمجلس أن يكون فاعلا إذا كان عدد أعضائه- ٦٣٠ عضوا- أكبر من عدد المقاعد الموجودة فيه؛ ولا يستطيع أحد منهم ممارسة التصويت الإلكترونى كما يليق بأى بلد بدأ طريقه إلى الديمقراطية. لقد طالبت بذلك مرارا وتكرارا قبل ثورة يناير، وأثناء عضويتى فى مجلس الشورى ( كان عدد الأعضاء ٢٦٤ بينما المقاعد المتاحة عددها ١٦٠ مقعدا مزودة بأدوات للتصويت الإلكترونى لم تستخدم قط)، ولكن أحدا لم يستجب فى ذلك الوقت، فهل نحن بصدد أن نعيد الكرة مرة أخرى؟!. ما نحتاجه قانون أبسط، وعدد أقل، وقدرة على التداول فى القوانين، وعمليات للتصويت النزيه خاصة إذا كانت الأوضاع السياسية لن تسمح بحزب حاصل على الأغلبية أو حتى أكثرية واضحة.

لقد انقضت الانتخابات الرئاسة وسوف يكون لدينا رئيس يقود البلاد، وما علينا إلا أن نتعلم من الماضى بسرعة وأن نلج فورا إلى المستقبل. هناك برامج قيلت، ومقترحات طرحت، وما بعد الانتخابات فى العالم كله فإن أهم الأسئلة تتعلق بالطاقم الذى سوف يضعها موضع التطبيق. ما جرى مكانه التاريخ، أما ما سوف يجرى فإن مجاله الإرادة والقدرة على اتخاذ قرارات هى فى حالتنا صعبة.
نقلاً عن "المصري اليوم"

http://www.almasryalyoum.com/news/details/456582

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.