.
.
.
.

الحمد لله

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

كان يقال في الماضي إنه ليس في الدول العربية رئيس سابق، سوى في لبنان. أما الباقون فمن الثكنة إلى القصر، ومن القصر إلى أن يكتب الله أمراً كان مفعولاً. الآن زحمة رؤساء سابقين: ثلاثة في مصر، اثنان منهم في السجون التي مرَّ بها كبار السياسيين والصحافيين من ملَكيين وناصريين وساداتيين ومباركيين وإخوانيين، وبينهم أيضاً شيوعيون ومستقلون وروائيون وكتّاب ساخرون، مثل محمود السعدني، الذي أدخله السادات السجن لأنه قال لصديقه على الهاتف: "الأوَّل موَّتنا من البكاء وده حَيْموتنا من الضحك".

من الذاكرة وحدها يصعُب تَعداد الرؤساء العرب الذين قضوا في السجون، أو في المنافي، أو في الإعدامات خلال نصف قرن، أو منذ أن وضعت الثَكنة اليد على الدولة والدستور باسم الثورة. أطلَّ الضبّاط وحدهم وفجأة في ليال غير مُقمرة، ومع ذلك سمّوا الانقضاض العسكري ثورة: في سوريا. في مصر. في العراق. في الجزائر. في اليمن. في ليبيا. وفي المحاولات الفاشلة.

في لبنان جاء العسكري من دون العسكريين. استعان فؤاد شهاب بعدد من خيرة الضباط في إدارة الإصلاح لكنه لم يمسّ الدستور، وأعلى شأن القانون ولم يدُسْه، وعزَّز موقع القضاء، وعندما غادر القصر في اليوم الأخير، كان أقوى رئيس في تاريخ لبنان: يملك الجيش ويملك البرلمان ويملك الإجماع الإقليمي، لكنه فضَّل على كل ذلك أن يملك كرامته.

منذ الشيخ بشارة الخوري أودت كل محاولة تجديد إلى سقوط إضافي. العالم العربي استقبل خروج الرئيس ميشال سليمان من بعبدا في آخر يوم دستوري بتقدير وتفاجأوا: "رجل محترم من لبنان" كتب المفكر الكويتي محمد الرميحي في "الشرق الأوسط" بعد وصول الرئيس سليمان إلى عمشيت، تاركاً خَلْفه قصراً بلا قصف.

أُخرِجت الملَكيات العربية من قصورها، بلا قطرة دم، كما في مصر، أو في مهرجان من الأشلاء والأعضاء الحميمة المقطَّعة، كما في العراق. باءت محاولات كثيرة للاعتداء على حياة الملك حسين بالفشل. وأحبط الحسن الثاني في المغرب محاولات انقلاب جوية وبرية على قصر الصخيرات، قام بها أقرب مساعديه. وعندما هجم ملازمو بنغازي على السلطة أول أيلول 1969، كان الملك الورِع إدريس السنوسي يمضي فترة علاج في تركيا. وقد أرسل إلى فاعلي الانقلاب سيارتَي "مرسيدس" كانتا في تصرّفه لأنهما مُلك للدولة. لم يكن للملك إدريس أبناء ولا ثروة. أما الملازم الذي أطاحه فقد وزَّع على أبنائه مُقدّرات الدولة والفِرق المسلّحة. أعدّ ابنه الثاني للخلافة، وعندما انتهى قيل إن مجموع ما حصدته العائلة من حقوق جرذان ليبيا يزيد على 150 مليار دولار.

بكى حسني مبارك في قفص المحاكمة السبت الماضي. وقَع موعد المحاكمة بعد يوم واحد من انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً. فاز السيسي بالأكثرية وخسر بالإقبال. سئم العرب السياسة وفقدوا الثقة بها وملّوا انتظار الخلاص حول بحر من اليأس والدماء. ما سُمّي ثورات في الماضي انتهى إلى فِرَق عسكرية خاصة، وما سُمّي من ثورات في الربيع الكاذب تحوَّل إلى قتل وموت وجنازير وأكاذيب بلا حدود. كل القوى العسكرية التي لُقِّبت "الصاعقة" على الطريقة الهتلرية، لم تُشاهَد مرة على الجبهة مع إسرائيل. حارَب صدام حسين ثماني سنوات ضد إيران، وعندما اجتاح الكويت "في الطريق إلى فلسطين" اكتفى ببضعة صواريخ سكود على إسرائيل ورمى الباقي على عرعر والرياض ومدارس نجد، التي أنشأها رفيق الحريري.

"العونيون" و"القوات" الذين اختلفوا على كل شيء آخر في الدنيا والآخرة، اتفقوا على شيء واحد هو أخذ المَدَد العسكري (وخلافه) من صدام حسين. نائب رئيس الوزراء طارق عزيز كان بدماثته وأسلوب الابتسام المتضمّن الخيبة، يلمِّح دائماً إلى الطريقة اللبنانية في الوقوف مع الطُعم ضد السنارة.

أطلق بعض العقائديين على هذه السمة غير الخاصة أبداً وصف "المركنتيلية". الغريب أن 90% من مستخدمي هذا النعت كانوا يعملون في التجارة. وتَبِعَهم في ذلك بعض السذَّج الذين يُسرعون إلى استخدام أي تعبير لا يعرفون معناه. لكنه رنّان في أي حال. "عُودَك رنّان" كما في أغنية زياد الرحباني، الذي وُلِد مُنشقّاً عبقريّاً للأسرة الالماسيّة. ولا يزال ينشقّ عن نفسه كالنهر الذي يبدِّد ينبوعه في تفرّعات الطريق.
لا أعني إطلاقاً زياد المتعاطي السياسة، أو زياد الاجتماعي، أو زياد المتناقم مع عائلته بجميع فروعها الأولى والمنتسبة، وإنما أقصد زياد الذي وَعَدنا بطبقة رحبانية جديدة من علوّ الموهبة الفائقة، الساخر الحاد ورفيق البُسطاء، ليس تحت راية ماركس ولينين ومَجمْعَ الألفاظ، بل تحت راية هذا الصبي العبقري الذي كان يُشبه أول ظهوره، شارلي شابلن من دون قبعة وعصا، معتمداً النص بدل الإيماء، خارجاً من عصر عاصي ومنصور إلى عصر المسرح السياسي الجارح غير المتصالح، محتضناً مثلهما، قضايا البُسَطاء ويومياتهم وحقائقهم وهزائمهم، ضاحكاً مضحكاً، منقّياً مسرحه من الوعظ، متخفّفاً في أغانيه من النَظم كما تخفّف عاصي ومنصور وفيروز من البحر الطويل، وأطلقوا الأغنية القصيرة، مُدركين برؤيتهم وأحاسيسهم العميقة، أن الإيقاع يتغيّر، والشرق بدأ يُسرع، وأن الناس لن تستمر في الذهاب إلى المسرح لسماع أم كلثوم، بل إن العاشقين الجدد سوف يصغون إلى فيروز من الراديو تغني "حسِّت بقلبا تكّي وعم بيطير" أو وهي تصلّي في انطلياس "أنا الأم الحزينة" في يوم الجمعة الطيبة.

هذه المرة الأولى أكتب عن زياد. كنت ملتزماً من قبل ذلك النوع من الولاء القروي لفيروز وعاصي ومنصور، وكل من كتب لها ومن لحَّن لها. وكنت أحب أعمال زياد على حدة، فأنا لا اؤمن ان للعبقرية شجرة. ولا أحد يعرف أين تولد. ولا أحد منّا يعرف مَن كان والد المتنبي أو خال ابن الرومي، أو يهمّه – إلا من قبيل السرد – أن والد جبران كان عربيداً يسكر ويغني في ساحة بشري، حيث يُقام الآن متحف لأشهر لبناني في العالم، في التاريخ.

كل ما يُثيره زياد وما يُثار حوله، لا يعنيني ولا أعتقد أنه سوف يعنيني ذات يوم. ولأسباب لا حصْر لها، أهمها فارق الجيل، ليس هو في عالمي ولا أنا طبعاً في عالمه شبه المُغلق، وما انفتح منه فهو متوتّر على الدوام. وهذا شأنه وحده. أما ما ليس شأنه وحده، فهو تراجع عطائه الفني وغياب مسرحه الأخّاذ وتوقّفه عند مرحلة مُبكرة جداً من العمر والعطاء، إلا من بعض الملاحظات الموسيقية العابرة والمقلة.
كان صديق زياد - المستمر – كارل ماركس يقول إن العضد الأول للثورات هو الشعراء والفنانون. لا تخلو صحيفة عربية في أي يوم من لازمة عنوانها: "أين دور المثقف العربي"؟ فالمواطن الذي يريدك أن تعمل عنه لكي يمضي أكبر قدَر ممكن من الوقت في المنفى، وأن تدرس عنه لكي يُنادى دكتوراً في المستقبل، ويتحوّط السامعون حوله في المقهى نفسه، ويريدك أن تقتل عنه لكي يتصدّر في التظاهرات المحتفية بالشهداء – هذا المواطن يحرص على أن تُقام جنازات المثقفين لكي يمشي فيها.

ثم ماذا؟ ثم يعود الجميع إلى بيوتهم ويتساءلون عن دور المثقف. الروائي علاء الأسواني كان طليعة ثوار ميدان التحرير في 25 يناير. ولما ذهب المواطنون إلى الاقتراع، انتخبوا في المرة الأولى إخوانياً ليس في شعاراته الثقافة ولا في همومه الحرية، وفي الثانية عسكرياً، هو الخامس بعد محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. عدلي منصور، القاضي، ظلَّ رئيساً موقتاً. الناس لا تنتخب رئيساً دائماً من رجال القانون. هؤلاء فقط يعيَّنون كما عيِّن بترو طراد وألفرد نقاش وأيوب ثابت. يقول الصادق النيهوم عن مسرحية "التنين": "إن التنين – رغم قوته الخارقة – لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا رفض الناس أن يخافوا منه! ولكن المشكلة أن الناس كانوا يريدون أن يخافوا منه. كانوا يريدون أن يحتفظوا به هناك في القلعة ويُطعموه عشرين عنزة وعشرين بطة وكيسا من الأرُز المطبوخ في العسل كل يوم. كانوا يريدون أن يخافوا منه، لأنهم كانوا يحتاجون إلى تنّين، فأنت عندما يكون لديك تنّين لا يستطيع أحد أن يؤذيك".

زحمة رؤساء سابقين. ثلاثة في مصر. واحد في اليمن. واحد في تونس يعيش في جدة على البحر الأحمر. 11 حكومة في مصر منذ ثورة 25 يناير التي كان يُفترض أن تلغي 23 يوليو، فكان أن خاض معركة الرئاسة ناصريان، واحد نال ما فوق التسعين وواحد نال ما تبقى. ولم يرأس جيمي كارتر فريق "المراقبين" الدوليين كالذي ذهب إلى سوريا برئاسة الضابط السوداني ابرهيم الدابي. فظيعاً كان الدابي الى درجة أن الناس صارت تُقتل بالموضوعية لا بالقصف. والبعض يقول إن السبب الآخر للموت الجماعي كان اجتماعات الجامعة العربية التي لم تجرؤ على إيفاد مبعوث خاص، فألحقت نفسها في قِفّة المبعوث الدولي الأخضر الإبرهيمي. مسحوق "يَس" الشهير: اثنان في واحد، أو ثلاثة، الله العليم.

حفِظكُم الله ومن المصادفات أن هذا الأربعاء هو الخامس من حزيران. ماذا يعني لجنابكم هذا التاريخ؟ يعني لي أنه كان للعرب في الماضي شرف الهزيمة أمام العدو. كانوا يُعدّون جيشهم وشبابهم لاستعادة كرامتهم. اقرأوا ماذا قال الخبير الأميركي لسركيس نعوم يوم الاثنين الماضي: لم تعد إسرائيل في أولويات العرب. خوف مصر في سيناء اليوم ليس من أرييل شارون 1956 بل من شارون داخلي. جبهات سوريا الداخلية فقَدت أكثر من 150 ألف قتيل. العراق الذي كان يُرسل قواته لرفد الجبهة الشرقية يُرسل إلى سوريا قوات أبو الفضل العباس. وحزب الله يُقاتل في حلب. وأكبر إنجاز للفلسطينيين في العقد الأخير الاتفاق على حكومة موحّدة. وسوف تكون برئاسة السيد الحمد الله. أجل، الحمد لله.

newspaper.annahar.com/article/138789-الحمد-لله

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.