.
.
.
.

حفرة ديك الجن

ثروت الخرباوي

نشر في: آخر تحديث:

فتحتُ التليفزيون مستبشرا أن أرى مشاهد يومى الانتخابات العظيمة، فرأيت مجموعة من المذيعين والمذيعات النخبويين يصرخون ويولولون: وا شعباه، وا مصراه، اللجان خاوية على عروشها، وأخذنى العجب فالإقبال كان أكثر من جيد! وبعينىَّ ومن خلال متابعتى الشخصية رأيتُ هذا الإقبال الرائع، ولكن الكاميرات تسلطت على لجان بعينها أعطت انطباعا مقصودا بغياب الناخبين، ومن قناة لأخرى وجدت نفس المشاهد وكأنها اتفقت جميعها على تصدير انطباع واحد، فجرى فى خاطرى أن بعضهم يريد أن يقول للرئيس السيسى: أنت مدين ببعض الفواتير لنا، فنحن نستطيع أن نضيف إليك أو نخصم منك إن أردنا!.

ثم فتحت الصحيفة فقرأت مقالا للنخبوى «فهمى هويدى» وإذا به يكتب أن أحد القضاة الذين أشرفوا على الانتخابات قال له: يا أخى يا هويدى لقد كان أحد المسؤولين الكبار يقوم بنقل المواطنين للتصويت فى اللجنة التى أشرف عليها، فقلت فى نفسى سبحان الله الذى وهب الأخ القاضى صديق هويدى القدرة على اختراق حجب الغيب! ووهب هويدى القدرة على تصديق الخرافات، إذ كيف عرف القاضى وهو جالس بين أربع حوائط داخل لجنة، هى بحوائطها داخل مدرسة ـ وهو فى ذات الوقت ممنوع من مغادرة اللجنة حتى لا يتلاعب أحدٌ بصناديقها ـ أن أحد المسؤولين يقوم بتوريد المواطنين خارج المدرسة للإدلاء بأصواتهم! وتعجبت أن نقل الإخوان للمواطنين أيام انتخابات مرسى كان يتم على قدم وساق، ورغم ذلك لم يستطع هذا القاضى رؤيته، وبالتالى لم يخبر صديقه هويدى فلم يكتب عنه.

وبعد يومين فتحت التليفزيون مستبشرا أن أرى عقولا عبقرية تبدع لمصر، فرأيت رجلا نخبويا غريبا سقط شعر رأسه كله، فظننت أن شعره سقط من كثرة التفكير والتخطيط والتدبير، فإذا بهذا النخبوى يقول متفاخرا للسيدة المذيعة: أنا أول من بشَّرَ بالسيسى كرئيس لمصر عندما قلت إن مصر محتاجة «دكر»! فقالت له المذيعة: وكذلك يا سيدى قال المرحوم خالد الذكر «فلان» إن مصر محتاجة «دكر»! ورغم بذاءة التعبير وفجاجته إلا أنه دل على عقلية نخبوية لا تستطيع أن تفرق بين الذكورة والرجولة، وكل ما ظنته تلك العقلية أن الفحولة الجنسية التى يكون عنوانها دائما كلمة «دكر» هى العنوان الوحيد للرجولة والزعامة والقدرة على قيادة الدول، ويبدو أن إعلانات المنشطات الجنسية أثَّرَت تأثيرا كبيرا على نوعية ما من تلك النخب، أو أن ثقافة الدواجن وتزغيط «دكر» البط هى التى تقود الآن عقليات شريحة لا يستهان بها من النخب المصرية.

فقمت بالتحويل إلى قناة أخرى فرأيت نخبويا متحذلقا سقط نصف شعره ونبت له فى وجهه بضع شعيرات اختلط سوادها ببياضها، وكان سيادته يقول بلدغته المعروفة وحذلقته المشهورة: ركبت مع سائق تاكسى فقال لى عبارة عبقرية مكونة من أربع كلمات، فقالت له المذيعة متسائلة بلهفتها المعهودة: ما هى تلك العبارة؟ فقال النخبوى: الشعب يريد إسقاط النظام، فقالت له المذيعة: وهل ما زال الشعب يريد إسقاط النظام؟ فقال النخبوى المتحذلق: هذا يقتضى يا سيدتى أن نجرى دراسات «استراتيجية وجيوسياسية» عميقة حول مفهوم النظام الذى يريد الشعب إسقاطه. وقد جرى فى خاطرى عندما استمعت لهذا النخبوى المتحذلق قصة «حفرة ديك الجن» التى يريد الشعب ردمها، وديك الجن هذا من أصدقائى القريبين إلى نفسى، وهو من الساخرين العرب الذين يشار إليهم بالضحكات والطرب، وذات يوم قال لى وهو يتمهل فى الحديث، ويمط حروف كلماته وكأنه يتحسس طريقه:

كانت هناك حفرة عميقة ومتسعة تقع فى عرض الطريق ،ولذلك كثرت عليها حوادث السيارات التى ترتب عليها وقوع عدد كبير من المصابين، فارتفعت أصوات الاحتجاج، وتوالت وفود المواطنين إلى أعتاب المسؤولين، ترجوهم ردم هذه الحفرة، فاجتمع المسؤولون مع رجل نخبوى متحذلق، فقال لهم: يجب أولا أن نحدد مفهوم الحفرة التى يريد الشعب ردمها، ثم نعد دراسات عميقة لنفهم من خلالها لماذا يريد ردمها؟ فقالوا له: الحفرة هى الحفرة، ويريد الشعب ردمها لأنها تتسبب فى وقوع العديد من المصابين، فأمهلهم النخبوى المتحذلق ليعد دراسات جيوسياسية، ثم انتهى بعد فترة إلى حل عبقرى توصل إليه بعد أن استشار لجنة علمية متخصصة، فذات صباح مشمس ومشرق شوهدت شاحنات تفرغ حمولتها من مواد البناء قرب الحفرة، فحمد الناس الله وشكروا النخبوى المتحذلق، وبعد لحظات جاء أحد كبار المسؤولين فى موكب عظيم برفقة النخبوى حيث وضع حجر الأساس لإنشاء مستشفى متخصص فى كسور العظام بجوار الحفرة، وتم بناء المستشفى وبقيت الحفرة على حالها.
m.almasryalyoum.com/News/Details/458052

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.