.
.
.
.

خالد الإسلامبولي يعيش بيننا

جاسر الجاسر

نشر في: آخر تحديث:

حين شاعت فضيحة مدرب كاراتيه المحلة الذي انتشرت له مقاطع فيديو صورها لنساء كان يمارس الزنا معهن، كانت صفحة «الحرية والعدالة» على «فايسبوك» في مقدم الناشرين لمقاطع فيديو منها، ثم تناقلتها حسابات إخوانية لا تختلف عنها سوى أن بعضها يؤكد كل ما قاله بعضها الآخر. كان التبرير حينها أن الظاهرات في الفيديوات نساء ضباط وقضاة قبضوا على عناصر من الجماعة وأصدروا أحكاماً في حقهم. ثم بلغت الجرأة اللاأخلاقية، المنافية لكل ما هو إسلامي، تسمية كل مشتركة في الزنا باسم زوجة أو ابنة أحد هؤلاء الضباط أو القضاة من دون تورع، بل مدعين أنه هذه عقوبة معجلة لهؤلاء المجرمين، وأن ذلك علامة النصر وبداية التمكين.

بالطبع هذه ليست أخلاق «الجيل القرآني» الذي نادى به سيد قطب، وليست صورة تشرف أي مسلم، بل سلوك مقزز لمجموعة من المحتنقين الشامتين المزورين يستحيل أن تقترب من الأخلاق الإسلامية، وكل مخزونها سيل من الشتائم البذيئة واللعن لكل مختلف أو صاحب رأي مغاير.

اللغة الشتائمية ليست جديدة لكنها لم تكن فاضحة وظاهرة قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها كانت متناثرة في المنتديات. وللحق فإن المنتديات الصحوية كان يغلب عليها، على رغم حدتها في الموقف، أدب معقول في اللفظ وحسن العبارة، يصل أحياناً إلى رفض الجيل الأول من الشتامين والتبرؤ من طريقة طرحهم.

لم تتبدل المطالبات بالنبذ والإقصاء والاستعداء للخصوم، ولم تتوقف الدعوات إلى الذبح والنحر وجز الرؤوس التي جسدها «داعش» واقعاً صارخاً وموثقاً، بحيث أصبح الولغ في الدماء الهدف والغاية تحت مبررات كثر تزعم أنها تتنقل بالأمة نحو الإسلام النقي و«الجيل القرآني». لم تنقص درجة العنف إلا أنها في حال عجزها عن الذبح فعلياً تتكئ على معجم عنيف وبذيء يشبع رغبة أولى ويمهد للحظة الاستمتاع القصوى حين يكون النحر تشفياً وانتقاماً وثأراً ونصراً للإسلام.

كان تجنيد خالد الإسلامبولي عملاً سرياً استشعر طاقة هذا الشاب وسرعة انفعاله، واستثمر نقمته على اعتقال أخيه ليحيله إلى قنبلة من الداخل أدت مهمتها بنجاح

صحيح أن السادات كان حينها مهووساً يملأ السجون بكل المصريين من دون تمييز، ما جعله خصم الجميع خصوصاً الذين كفروه وأوجبوا إسقاط نظامه الكافر، إلا أن الوقود المغذي والمهيج للإسلامبولي كان طاقة الشحن والتصعيد الطاغية وقتها، والتي ملأته يقيناً أنه مقبل على الحق وإسقاط النظام الكافر.

الآن هل يمكن اعتبار هذا الانحدار في اللغة دلالة ضعف، أو أنه طريقة تدريب وفخاخ لاستدراج الشاب المتحمس ومضاعفة نقمته ليكون سلاحاً قاتلاً من الداخل؟

كان من الممكن أن يكون خطة تدريب لولا الانتكاسات المتوالية والفاجعة التي عصفت بالجماعة والمجموعات المتولدة منها، التي أطاحت بالأحلام البراقة للشبيبة المتوثبة لقطاف ثمار ظهور «الجيل القرآني»، فلم تجد بين يديها سلاحاً تتشفى به سوى هذه اللغة. ثم أنه يكشف مستوى الضعف الفكري للخطاب، حتى إنه لم يعد في ذاته مشبعاً وكافياً. هو أيضاً يبين نوعية النجوم الجدد للصحوة الذين ترعرعوا بدءاً في المنتديات ثم انتشروا على وسائل التواصل، مؤسسين لوضعية قيادية تتمرد على الطريقة التقليدية لصناعة النجوم الصحوية، ولعل الدليل الأبرز أن كثيراً من النجوم التقليديين تراجع تأثيرهم وحضورهم لمصلحة الـ«تويتريين».

في عز الصحوة انتهج بعض رموزها طريقة ناجحة، وهي مخاطبة الشباب بلغة التفحيط والكرة، وهو ما يحدث اليوم، وإن أصبح على شاكلة «الجمهور عايز كده». وهو جمهور محبط لا سلاح له سوى الشتائم والتلذذ بها بعد أن ضاعت آمال الفعل والحراك.

المقلق في الأمر تزايد المنضوين تحت هذا المعجم والمتفننين في مفرداته، ما يجعلهم بعد زمن لا يجدون فيه إشباعاً مرضياً، فلا يكون ثمة نشوى قصوى إلا مع «داعش» وبين عناصرها والقيام بفعلها.

www.alhayat.com/Opinion/Jasser-AlJasser/2876958/خالد-الإسلامبولي-يعيش-بيننا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.