30 عاماً من الخيبة
عندما قدّمت رسالة الماجستير في 1982 عن سعودة الوظائف والمهن كخيار استراتيجي، يقابله استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية من دون تطوير حقيقي للقوى العاملة المحلية، كنت متفائلاً وحسن الظن بأننا نسير وفق خطة تنموية طموحة، كنت متحمساً، كما هي حال زملاء آخرين أن رسالتنا نقل المعرفة إلى مجتمعنا وتوطينها، لتكون مساراً يضمن التطور.
لم يدر في خلدي حينها أننا سنمضي أكثر من ثلاثة عقود من دون أن نقدر على تحديد الخيار الأفضل، ووضع الآليات والسبل الكفيلة بتحقيق ذلك الخيار. مضت كل هذه الأعوام، وتشرّب اليأس والإحباط حماستي، فلم تظهر حتى اليوم أية خطة وطنية تعتمد في مفاصلها على أسس وأركان ووسائل رفع مستوى المواطن مهنياً، بعد أن يتعلم دراسياً ونظرياً قواعد العمل المهني ووسائل الإنتاج وسبل دعم الاقتصاد العام، دعك مما تحثّ عليه وزارة العمل في الأعوام الأخيرة، فهي ليست صحوة أو تطبيقاً للحلم، بل سياسات تهدف إلى الحد من الاستقدام الانتهازي وتجارة البشر، ولا علاقة لها بتطوير مهارات من يدخلون إلى سوق العمل من المواطنين. هذه متروكة لكل مؤسسة على حدة، بقدر ما يوجد في نظامها وهيكلها وسياستها الإدارية من أهداف، وكذلك بقدر إيمان قيادتها والتزامها بهذه الأهداف.
لذا تعمد بعض المؤسسات إلى إيجاد إدارات مختصة لوضع سياسات وبرامج خاصة لتدريب الكفاءات، بل يعمد بعضها إلى وضع خطط إحلال متوسطة أو طويلة المدى لسعودة بعض الوظائف والمهن القيادية والمهمة. من هنا رأينا نجاحاً في بعض الشركات، مثل «أرامكو» و«سابك» و«الكهرباء»، وبعض الشركات في القطاع الخاص، لكننا لم نلحظ أو نلمس أية خطط جادة من الدولة لوضع سياسات تتعلق بوضع القوى العاملة بشكل شامل وعلى نطاق واسع، لتشمل القطاع العام تحديداً، وتحفّز القطاع الخاص، ولكن ليس على طريقة «هدف» التي أثبتت فشلها الذريع. في الماضي كان هناك مجلس القوى العاملة الذي أدى دوراً متواضعاً، لكون الأهداف والطموحات أكبر من القدرات والإمكانات، لذا سرعان ما توارى واختفى من دون أن يحقق شيئاً من الإنجازات.
واليوم وفي ظل التركيبة المختلفة لسوق العمل السعودية، وتفاوت القدرات والكفاءات في قطاع القوى العاملة ككل، نجد الحاجة ماسّة جداً لإيجاد مظلة جديدة بدعم رسمي وتمثيل من أعلى الجهات، مع تشكيل كادر مهني من المختصين لوضع سياسة وطنية إلزامية لتطوير الكفاءات الوطنية على المدى الطويل.
ولتحقيق ذلك يلزم تحديد المهن المفصلية في سوق العمل، لوضعها كهدف للسعودة على المدى المتوسط والطويل. لا بأس أيضاً بربط هذه المهن بسياسات الابتعاث مستقبلاً، لتكون الدراسة الجامعية هي البذرة الناجحة أو الخطوة الأولى في استهداف هذه المهن، وتبقى الخطوة الأكثر أهمية في الالتزام والإصرار على ما يلي ذلك، إذ يتم تعيين الخريج في المكان الملائم بعد أن يبدأ برنامجاً تطويرياً وفق خطوات عملية تحقق دفعه إلى المنصب المنشود.
بهذا نحقق أهدافاً كثيرة تصحح خيبات «هدف» وتعيدنا إلى المسار الصحيح، مع بناء هوية متكاملة وناضجة، وترسيخ معايير العمل والإنتاج. حين كتبت قبل أكثر من ثلاثة عقود عن أهمية سعودة الوظائف كانت العمالة الأجنبية في بداية توافدها، وكانت الأعداد قليلة، وكثير منها كان يأتي لمشروع محدد ويغادر العامل بعدها عائداً إلى بلاده.
خلال هذه العقود الثلاثة تغيرت مفاهيم كثيرة، واختلطت الأهداف المشروعة بالمصالح الضيقة، ونتجت من ذلك خلطة نادرة في سوق العمل السعودية، وتركيبة يغلب عليها طابع النوع غير المنتج، الذي يستهدف الاقتصاد بنشاطات غير ذات جدوى، ولا تعود على البلاد بأي نفع أو مردود اقتصادي. ارتفعت وتيرة الاستهلاك من دون وعي أو ترشيد، وكثرت فئة من العمالة تنخر في الاقتصاد المحلي، وتستنزف الموارد المالية والطبيعية، وتسيء استخدام البنية التحتية، وهو ما يلزمنا باستمرار بالتجديد، وصرف الكثير من الدخل على الصيانة وتوفير السلع والموارد. التحويلات المالية الهائلة وحدها ربما تكون مؤشراً لهذا الخلل الناتج من سوء تركيبة سوق العمل المحلية.
يمكننا القول إن وجود مظلة جديدة تعمل على تحسين ساحة القوى العاملة في البلاد، يلزم إلى جانبها وضع سياسات واضحة للحد من وجود العمالة غير الماهرة التي لا تضيف شيئاً، بل تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد المحلي والانضباط الاجتماعي.
لست متشائماً، لكن يحزنني هذا التخبط في البرامج والخطط ذات البريق الإعلامي، من دون أن يكون لها أثر على الواقع. ويؤسفني أننا لا نصحح أخطاءنا، بل نبني عليها أخطاء أخرى. الأرقام والمؤشرات الحالية لا تبشّر بخير، ولا شيء يمنع من مبادرة عاجلة لإنقاذ الوضع قبل استفحاله، شرط أن تتبرأ من كل العبث السابق، حتى لا تكون الحلقة مفرغة!
* نقلا عن "الحياة"
alhayat.com/Opinion/Abdulrahman-AlAllola.aspx