.
.
.
.

مهمة أميركا في العراق: التقويم والاتصال

سركيس نعوم

نشر في: آخر تحديث:

كثيرون من الأميركيين سواء في الإدارة أو في مراكز الأبحاث وحتى من أعضاء الكونغرس يعتقدون أن الجيش العراقي لن يستطيع استعادة الأراضي التي احتلها المتطرفون الإسلاميون السنّة إذا لم تساعده في ذلك قوات أميركية كبيرة بعدد افرادها، وساحقة بأسلحتها المتنوعة والمتطورة. ويعتقدون أيضاً أن هذه المساعدة لن تتحقق لأن الرئيس باراك أوباما ليس في هذا الوارد، ويرجِّحون ألا تتدخَّل أميركا عسكرياً إلاّ إذا تهددت العاصمة بغداد جدياً باحتلال مماثل للذي تعرّض له وسط العراق السنّي بغالبيته. والدافع إلى التدخُّل سيكون أن الحرب على بغداد ستُشعل حرباً مذهبية داخلها وفي ضواحيها وستسيل دماء كثيرة. ومن شأن ذلك جعل التسوية السياسية بين مكوِّنات الشعب العراقي متعذرة بل مستحيلة.

ماذا ستفعل أميركا وتحديداً رئيسها أوباما في هذه الحال؟
طبعاً لن تقف متفرِّجة يجيب متابعون من واشنطن ومنها لأوضاع العراق وتطوراته ومعه المنطقة بأسرها. فهو يتابع ممارسة الضغط على رئيس الوزراء نوري المالكي وذلك كي يتخذ قراراً من إثنين وينفِّذه. الأول الاستقالة وعدم الإصرار على العودة إلى رئاسة الحكومة، رغم كتلته النيابية الأكبر عددياً لأنه مرفوض من السنّة عموماً، ومن جهات شيعية مهمة جداً منها المرجعية الدينية في النجف، وحتى من الأكراد الذين كانوا في نظره حلفاء. أما الثاني فهو التزامه تأليف حكومة جامعة فعلاً لكل العراقيين، وقادرة على التعاطي مع العملية العسكرية لـ"داعش" وحلفائها، ونتائجها وتالياً على وضع العراق على سكة نظام قابل للعيش بسلام ومقبول من الجميع وتنفيذ هذا الإلتزام. علماً أن جهات عراقية عدة وأخرى إقليمية وثالثة دولية تشك في قدرته على ذلك أو في رغبته فيه. طبعاً اجتمع النواب العراقيون المنتخبون قبل أيام قليلة لانتخاب رئيس جمهورية ورئيس مجلس نيابي واختيار رئيس حكومة. لكنهم أخفقوا بسبب تمسك المالكي بحقه في البقاء رئيساً للحكومة. علماً أن معارضي ذلك من كل المكونات والأطياف يستطيعون، إذا أرادوا، تشكيل ائتلاف يمثِّل الغالبية في البرلمان واختيار رئيس جديد للحكومة. لكن استطاعتهم هذه تبقى نظرية لأن حدّة الانقسامات المذهبية والإتنية تؤكد أن الخلافات بل العداءات بين المكونات أعمق بكثير، وأن الخلاف على المالكي وعلى مسؤوليته عن ما جرى على أهميته ليس الأساس ولن يكون الأساس. إلى ذلك يعتبر المتابعون من واشنطن أنفسهم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تريد استمرار المالكي في الحكم لأسباب عدة منها أنه رجلها في العراق. لكنهم يعتقدون أن عليها دفعه إلى حكومة جامعة (وحدة وطنية حقيقية) وليس مساندته في مواقفه وتصلبه وأخطائه وذلك كي لا تجد على حدودها عراقاً مقسَّماً. إلا إذا كانت تريد فعلاً عراقاً كهذا.

ماذا ستفعل الوحدات العسكرية الأميركية التي أرسلت إلى العراق (كانوا 300 فأصبحوا 800 أو سيصبحون؟).
يجيب المتابعون إياهم، ستصل القوات الأميركية إلى العراق بـ"القطّارة". ومهمتها الأساسية ستكون التقويم للأوضاع والاتصال المباشر بكل من يجب الاتصال بهم. ويهدف التقويم إلى معرفة جهوزية المتبقي من الجيش العراقي بأمرة الحكومة وحجم التدريب الذي يحتاج إليه ونوعيته. ويهدف ثانياً، إلى تقويم مدى الدعم ومصدره الذي حصل عليه المتطرفون الإسلاميون السنّة، وإلى جمع المعلومات الدقيقة عن مقدميه. فهل هم القبائل وضباط وجنود جيش الراحل صدام حسين". فضلاً عن محاولة معرفة عدد الذين فروا من الجيش، وإذا كانوا التحقوا بالمتطرفين كلهم. ويهدف ثالثاً، إلى جس نبض العشائر لمعرفة إذا كانت على استعداد للانقلاب على "داعش" وحلفائها كما حصل أيام "الاحتلال". ويهدف رابعاً، إلى الاتصال بالضباط الأكفياء والذين كان تقويم العسكر الأميركي لهم جيداً سواء الذين لا يزالون في الجيش أو الذين تقاعدوا أو الذين فروا منه. ويهدف أخيراً إلى معرفة القدرات الفعلية القتالية الحقيقية لـ"المتطرفين" وأماكن وجودهم وطريقة عملهم وخطط عملياتهم. كل ذلك سيأخذ وقتاً طويلاً في رأي المتابعين أنفسهم. ويعني ذلك أن لا شيء مهماً عملانياً سيحصل الآن باستثناء متابعة الضغط على المالكي.
طبعاً يخاف الأميركيون من انزلاق بلادهم "بالقطارة" عسكرياً في العراق، ومنهم الجمهوريون الذين دفعوا ويدفعون أوباما إلى التدخُّل. لكن تأكيدات الأخير بأنه سيستشير ممثليهم في الكونغرس قبل أي خطوة عراقية هدّأت المخاوف.

نقلاً عن "النهار"

newspaper.annahar.com/article/148236-%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%88%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%84

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.