حادثة شرورة!!
حادث شرورة الإرهابي، الذي قتل فيه ثلاثة إرهابيين واستشهد رجل أمن سعودي، حادثة خطرة تعطي مؤشرا بأن الإرهاب يريد أن يجعل السعودية بين مطرقة داعش في الشمال وسندان القاعدة في الجنوب، الإرهاب خسر كل منازلاته في التسعينات، لا أقول مع الحكومة السعودية فحسب، بل مع الشعب السعودي أيضا، فبدأ الإرهابيون يغيرون أسلوب منازلاتهم عن طريق المناوشات الحدودية مستغلين الانتصارات السهلة والمريبة التي حققتها داعش على الثرى العراقي.
وحين أقول الشعب السعودي، فأنا أعني كل أطيافه، فلم تشهد السعودية إجماعا على تجريم حركات العنف الإرهابية، القاعدة وداعش ومن دار في فلكهما، مثلما تشهده هذه الأيام، وهذا بلا ريب تحول إيجابي جدير بالمؤازرة والتأييد، فعندما عانت السعودية من إرهاب القاعدة في الداخل بحوادثه المعروفة قبل عقد من الزمن لم تكن لهجة التنديد لبعض المنتمين للتيار الإسلامي حينها واضحة جلية، ولجأ بعضهم حينها إلى السكوت، والسكوت موقف مخز بلا ريب، لكن بعد فضائح داعش بنسختها السورية ثم تجدد ممارساتها العنيفة في العراق، صار موقف التيار الإسلامي أكثر وضوحا، وبذل كثير منهم جهدا لافتا خاصة في الإعلام الجديد في تعرية داعش وفضح خططها ومكرها بلغة صريحة لا تقبل التأويل، وهذا أيضا ينسحب على ردود الأفعال تجاه حادثة شرورة الحدودية التي لاقت حشدا هائلا من التنديد ومن كل الأطياف.
إن الإرهاب الذي أطل برأسه من شرورة ناقوس خطر يحتم تجنيد كل طاقات الوطن وتوجهاته لإخماده في مهده، وليس هذا أوان المناكفات وتسجيل نقاط الانتصار بين التيارات الفكرية المختلفة، فالجيران العقلاء لا يستحضرون خلافاتهم وهم يساعدون جارهم في إطفاء حريق بيته، من مصلحة الوطن أن تتمايز صفوف الإرهابيين والذين في قلوبهم مرض عن صفوف الغيورين على دينهم وأوطانهم المسالمين في مجتمعاتهم، ولا يصح وضع الجميع في قالب واحد وإلا نقلنا المعتدلين المسالمين إلى خانة المتشددين الإرهابيين، والمتوسطين إلى دائرة التطرف، وهو ما يساعد على توسيع رقعة المتعاطفين مع الإرهاب وتهيئة المناخ الملائم لتكاثر جراثيمهم.
لا يصح أبدا أن نبني أحكامنا على أوهام وظنون وتخرصات والوطن محاط بنيران خطيرة متصاعدة، كل الأطياف الفكرية في أي وطن مثل تضاريس جغرافية تأخذ صفة الديمومة، والشعوب الحكيمة هي التي تستفيد من التنوع الجغرافي لأوطانها وتحويل عيوبها إلى إيجابيات، وليس العكس، الوطن بحاجة إلى كل صوت عاقل يقرب ولا يبعد، يدني ولا يقصي، لا فرق في ذلك بين من صنف نفسه إسلاميا أو ليبراليا (مع التحفظ على بعض مدلولات هذه المصطلحات) أو جعل نفسه فوق مستوى الجاذبية الفكرية، الوطن مكن الله لنا فيه أمنا ويتخطف الناس من حولنا، بل يواجه حربا ضروسا مع الإرهاب على الصعيد الأمني والفكري، فالمحصلة الطبيعية أن يتصدى لها كل فئات المجتمع وأطيافه الفكرية دون تمييز، فالنار التي علقت في غرفة في البيت وأفراد الأسرة لاهون في خلافات جانبية ستلتهم بيتهم وأفراد أسرتهم المتخاصمة، ما لم يؤجلوا مناكفاتهم ويتفرغوا لإطفاء الحريق وحماية البيت من خطره.
نقلا عن صحيفة "الشرق الاوسط"