هل تعلمت "العدل والإحسان" الدرس؟
خطوتان إلى الأمام وواحدة إلى الوراء. هكذا يبدو الموقف الذي اتخذته جماعة «العدل والإحسان» المغربية المحظورة. أبدت للمرة الأولى استعدادها لتشكيل حزب سياسي، في إطار «حوار مفتوح بلا خطوط حمر»، وفق تعبيرها، وانتقدت مفهوم الخلافة الذي بشرت به «دولة الإسلام» في سورية والعراق، موضحة أن طرحها يميل إلى ترجيح وحدة بين الدول الإسلامية على غرار الاتحاد الأوروبي.
مياه كثيرة جرت تحت الجسر، أقربها أن التزام الشرعية الديموقراطية قاد حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي إلى واجهة المسؤولية الحكومية، فيما انتفاضات ما يعرف بالربيع العربي لم تحقق ما كان يعول عليها من أهداف. ولأن «العدل والإحسان» كانت الفصيل الإسلامي وحتى المحافظ الوحيد الذي شارك في التظاهرات الاحتجاجية ضمن حركة 20 فبراير، فقد استخلص دروساً عدة دفعته إلى معاودة النظر في التحالفات التي ميزت الحركة الشبابية بين تيارات إسلامية ويسارية. غير أن غياب مرشد الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين الذي كان يجسد اتجاهاً راديكالياً لا يقبل بغير منظوره للخلافة، ربما حتم ممارسة بعض النقد الذاتي، وإن كانت الجماعة في عهده دعت إلى «حوار الفضلاء» بين الفاعليات السياسية، بهدف إبرام ميثاق مشترك يحدد أولويات المرحلة. لكن «العدل والإحسان» التي كانت تقف على يسار كل الحركات والتيارات، من منطلق التغيير الشامل من خارج المنظومة القائمة، اختارت أسلوباً جديداً في اللحاق بالشرعية الديموقراطية، وإن اكتفت بالتلميح لاستعدادها الانتقال إلى حزب سياسي. مع أن كل ما كان يصدر عنها من مواقف وممارسات تجاوز حدود الوعظ والإرشاد نحو ممارسة جوهر العمل السياسي، من دون تسميته. فقد توقفت عند حرفية المفاهيم، وحين دعت إلى مقاطعة دستور العام 2011 بدت أقرب إلى حزب راديكالي معارض، لكن العمل السياسي يبدأ من التفاصيل، ولم تكن دعوة المقاطعة غير مقدمة لاختيار آخر قد يجد طريقه إلى التبلور في حال التقت إرادات مشتركة بين الجماعة والسلطات.
تعرف الجماعة أن تأسيس الأحزاب بات يخضع لإجراءات قانونية، في مقدمها الابتعاد عن أي خلفيات دينية أو قبلية أو عرقية أو لغوية. وأقصى ما يمكن أن تطلبه من السلطات معاملتها بالمثل، من دون أي إقصاء في ضوء التزام المعايير السارية المفعول. ولن تكون الجماعة على رغم أنها محظورة قانونياً أول أو آخر حزب سياسي يخرج إلى الوجود. ففي المغرب هناك اكثر من ثلاثين حزباً موزعين على كل الأطياف والتيارات، بين اليمين واليسار والوسط، وبين المحافظين والحداثيين والحالمين بجمع شتات اليسار الراديكالي. غير أن الإضافة النوعية لجماعة «العدل والإحسان» تبدو مغايرة. كونها تشكل فصيلاً منظماً استدل على حضوره في تظاهرات استعراض القوة مرات عدة.
بيد أن ما يميزه عن تيارات إسلامية مماثلة أنه ينبذ العنف والاستقواء بالخارج، وإن اختلفت رؤيته مع بقية الأحزاب السياسية التي سبق أن وصفها بأنها بمثابة «مقاولات»، قبل اكتشاف أن المقاولات يمكن أن تشكل أسلوباً في تدبير الأحزاب بأهداف سياسية وليست دينية.
لا يمكن لفكر «العدل والإحسان» أن يكون بعيداً من رصد أنماط التطورات السياسية في البلاد. وليس أبعدها أن قرينها «العدالة والتنمية» استطاع في أقل من عشر سنوات أن ينتقل من رتبة وسطية في الخريطة الانتخابية إلى صدارة الترتيب. ما أهله وفق أحكام الدستور الجديد لأن يقود الحكومة الحالية، بعد أن واجه عاصفة نقد كادت تؤدي إلى حله. لكنه أفاد كثيراً من وضعه كحزب معارض، ما يرجح فرضية أن «العدل والإحسان» التي ظلت حركة معارضة في ممارساتها الوعظية والسياسية، في وسعها أن تقلب المعادلة في حال انبرت في اتجاه الشرعية الديموقراطية. لكن هكذا خلاصات تبقى مستبعدة، نظراً إلى حتمية التدرج التي تطبع الممارسات السياسية في المغرب.
وفي حال انضمت جماعة «العدل والإحسان» إلى المشروع السياسي، تبرز احتمالات عدة، في مقدمها أنها قد تصبح حزباً سياسياً معارضاً يلوّح بمقاطعة الانتخابات. وقد تبدأ مسيرة الألف ميل بالترشح لانتخابات البلديات، كونها تشمل تدبير الشؤون المحلية، في ظل ما تحتفظ به من رصيد في العلاقات الاجتماعية التي بنت عليها مشروعها منذ البداية. وقد لا يعني كل ذلك أكثر من بالونات اختبار تشد الانتباه إلى ما يتفاعل في المغرب من صراعات تحت السطح وفوقه. لكن المغامرة لن تكون الأولى، فقد سبقها حزب «العدالة والتنمية» الذي واجه صعوبات وصلت إلى حد طلب حله، على خلفية الهجمات الانتحارية في الدار البيضاء العام 2003. فيما أن الأحزاب الرئيسية في المعارضة احتاجت إلى ما لا يقل عن أربعة عقود لمعاودة بناء الثقة مع النظام.
ساد اعتقاد بأن ما يعرف بالربيع العربي اتجه نحو هدم قلاع الاستبداد، وكان طبيعياً أن تنسحب تداعياته على مجمل اللاعبين في الساحة السياسية، من يدري فقد تكون «العدل والإحسان» استوعبت أن المعارضة المغربية اضطلعت بأدوار بارزة. ولن تفاجئ الجماعة الإسلامية مناصريها إن أبقت على المسافة بين المعارضة والحكم، لكن في إطار شرعية العمل السياسي الذي تتغير فيه المواقع، وفق موازين القوى. فهل تتحقق المفاجأة ويصبح للمغرب حكومة نصف ملتحية يقودها حزب إسلامي ومعارضة نصف مخضرمة تقودها جماعة إسلامية؟ ففي الساحة متسع للجميع تحت سقف الشرعية الديموقراطية التي تصنعها صناديق الاقتراع.
نقلاً عن صحيفة "الحياة"